نعيش هذه الليلة المباركة التي هي أرجى ليالي القدر، أي الليلة التي يقدّر الله تعالى لملائكته جميع ما ينبغي أن يجري على أيديهم من تدبير بني آدم ومحياهم ومماتهم، إلى ليلة القدر من السنة القابلة، أو ليلة العظمة التي عظم الله قدرها؛ نعيشها والكلُّ طامعٌ أن يكون ممن قامها إيماناً واحتساباً، فغفر له ما تقدم من ذنبه، وهذه مِنَّة عظيمة أن يكون قيام ليلة سبباً لمغفرة ما تقدم للمرء من إساءة أو تقصير في حق الله تعالى، أو في حق خلقه، إن أرضى الله تعالى أصحابَ الحقوق جوداً منه وكرماً.

وليس كل ذلك هو ما يمُنُّ الله تعالى به فيها، بل هناك فيضٌ إلهي عظيم في هذه الليلة المباركة، وهو ما بينه الله تعالى بقوله: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، أي أن العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر، وذلك 83 عاماً و3 أشهر، ليس فيها هذه الليلة، فإن أدرك المرء كل عام ليلة القدر، فكم يكون أجره في كل ليلة أدرك فيها ليلة القدر؟! هذا هو فضل الله وعطاؤه غير المجذوذ، ولذلك فخَّمها الله تعالى هذا التفخيم الكبير، بقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ}، أي شأنها شأن كبير، لا يدرك بالوصف، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قد أدراه الله تعالى عظمتها كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كلُّ ما في القرآن من قوله: «وما أدراك» فقد أدراه، وكل شيء من قوله: «وما يدريك» فقد طوي عنه»، وهو ما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: «إني أريت ليلة القدر، ثم أنسيتها - أو نُسِّيتها - فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر، وإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، فمن كان اعتكف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليرجع»، قال الراوي: «فرجعنا وما نرى في السماء قزَعة، فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد، وكان من جريد النخل، وأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته».

بل إنه عليه الصلاة والسلام كان قد أراد أن يخبر أمته بها على وجه التحديد كما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة».

فقرب للأمة التماسها في أوتارها كما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى».

أي ليلة تبقى بعدها سبع ليالٍ، وهي ليلة ثالث وعشرين، (أو تاسعة تبقى) أي ليلة تبقى بعدها تسع، وهي ليلة أحد وعشرين، (أو خامسة تبقى)، وهي ليلة خمس وعشرين.

فهذا حثٌّ أكيد منه صلى الله عليه وسلم لأمته على العناية بها وقيامها، وعدم الغفلة أو النوم فيها، حتى يدركوها، فيدركوا السعادة الأبدية.

وإدراكها يكون بإحيائها قياماً وتهجداً وتلاوةً وذكراً واعتكافاً، وكل وجه من وجوه القُرب فيها، بحيث لا يغفل الإنسان فيها عن طاعة الله، فضلاً عن أن يقع في تقصير أو يزلّ في معصية.

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم أشد حرصاً على إدراكها عملاً بذلك الهدي الكريم، فالسيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «يا رسول الله أرأيتَ إن علمتُ أي ليلةٍ ليلةُ القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

فعلمها دعاءً جامعاً للدين والدنيا والآخرة، لأن الله تعالى إذا عفا عن العبد أدخله رحمته وجنته، وأسعده في دنياه وآخرته.

وأبيّ بن كعب رضي الله عنه يقول: «والله إني لأعلمها، وأكثر علمي هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين».

وفي رواية عنه رضي الله عنه من حديث زِر بن حُبيش، يقول: «سألت أبيَّ بن كعب رضي الله عنه، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر؟ فقال رحمه الله: أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني، أنها ليلة سبع وعشرين، قال زِرٌّ: فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذٍ لا شعاع لها».

جعلنا الله وإياكم ممن قامها إيماناً واحتساباً.