للوقف أثر عظيم في نشر الدين

الإسلام دين الكمال والشمول، كمالٌ وشمولٌ يُسايِرُ متطلَّباتِ الفردِ وحاجاتِ الناس، ويحقِّق العزة والكرامة للوطن والأفراد، دين يحقق كل أواصر التكافل بين الناس، وكل أنواع التعاون بين المؤمنين، حوى كل سبل الخير، وشمـل جميع أنـواع البر، قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).

إن في الناس قدرات وطاقات، والله قد قسم هذه القدرات والطاقات بين الناس ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، ورحمة ربك خير مما يجمعون.

لقد أصبح المال عصب الحياة؛ ولهذا فإن الله -جلَّت قدرتُه- نظّم لنا التصرف في هذه الأموال اكتساباً وتصريفاً، فبيَّن لنا كيف نكتسبها وكيف نتصرف فيها، نظم ذلك لنا في حياتنا وبعد مماتنا، ففي حياة الإنسان يستطيع الحر المكلف الرشيد العاقل أن يتصرف في ماله بيعاً وشراءً وإجارةً ورهناً ووقفاً وهبةً ووصيةً، على حسب الحدود الشرعية التي بينها الشارع.

وبعد ممات الإنسان حَفِظ الله له المال بأن تولى قسْمه بنفسه على أولى الناس به، ففرَض المواريث وقسّمها، فقال -جل وعز-: (آبَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مّنَ اللهِ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً).

إن التعاون في أعلى صوره، والرحمة بالناس في أجمل معانيها يتجسد في الاهتمام بالضعفاء من عباد الله. إن لهؤلاء الضعفاء حقاً في أموال مَن بسط الله عليه من أصحاب الثروات المتنامية، حقاً في الزكوات وحقاً في الصدقات.

لقد ذكر التاريخ الإسلامي في المجال التطبيقي لفكرة الوقف كثيراً من الأوقاف التي تبارى المحسنون من المسلمين في كل أقطارهم وعصورهم، وعلى اختلاف مذاهبهم في إنشائها على جهات البر الكثيرة التي ما زال كثير منها قائماً حتى اليوم، فمنذ أيام الإسلام الأولى بادر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوقف جزءٍ من أموالهم، وحبس أشياء من دورهم وعقارهم.

حيث أوقف أبو بكر -رضي الله عنه- رباعاً له في مكة على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وذوي الرحم القريب والبعيد، وأوقف عثمان وعليّ وسعد بن أبي وقاص وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر والزبير، رضي الله عنهم أجمعين. ومن أمهات المؤمنين أوقفت عائشة وأم سلمة وصفية وأم حبيبة، رضي الله عنهن. وخالد بن الوليد رضي الله عنه احتبس أدرعه وأعتاده في سبيل الله. يقول جابر، رضي الله عنه: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له مقدرة إلّا وَقف، وقال الشافعي رحمه الله: وأكثر دور مكة وقف.

ثم سار من بعدهم الأغنياء والموسرون من المسلمين فأوقفوا الأوقاف، وأشادوا الصروح، بنوا المساجد، وأنشأوا المدارس، وأقاموا الأربطة، ولو تأمَّلْتَ دقيق التأمُّلِ لرأيتَ أنَّ هؤلاءِ القادرين الأخيار، والأغنياء الأبرار، لم يدفعهم إلى التبرع بأنفَس ما يجدون، وأحب ما يملكون، ولم يتنازلوا عن هذه الأموال الضخمة، والثروات الهائلة، إلا لعظم ما يرجون من ربهم، ويؤمّلون من عظيم ثواب مولاهم، ثم الشعور بالمسؤولية تجاه الجماعة والأقربين، يدفعهم كل ذلك إلى أن يرصدوا الجزيل من أموالهم؛ ليستفيد إخوانهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات