يوم خديجة بنت خويلد ذات العطاء المتجدد

خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ القرشية الأسدية زوج النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، وأول من صدقت ببعثته مطلقا، كانت تدعى قبل البعثة الطاهرة، هذه المرأة العظيمة الحبيبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم يصادف ذكرى وفاتها العاشر من رمضان، سنة عشر من البعثة، فنتذكر فيه جليل محاسنها في الإسلام، وعظيم منزلتها عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم.

هذه المرأة الثرية التي سخرت ثروتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوته.

هذه المرأة العاقلة التي سرَّت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دهشته ببعثته.

هذه المرأة العظيمة التي سلم عليها الله وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه، ولا نصب.

هذه المرأة التي رُزق منها رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد، وكان له منها نسل وآل وعِترة.

هذه المرأة التي كانت وزيرة صدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي واسته بنفسها ومالها، فأنفقت تجارتها عليه تتاجر بها مع الله ورسوله.

هذه المرأة التي كان صلى الله عليه وسلم يرى أنه لم يعوض بخير منها أو مثلها.

هذه المرأة التي حفظ لها النبي صلى الله عليه وسلم الود فلم يتزوج عليها، ولم ينس خلائلها ولا ذكرياتها.

هذه المرأة التي لم يكمل من النساء سواها، وسوى مريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم وفاطمة ابنة محمد -عليهن السلام- كما أخبر بذلك الصادق المصدوق.

هذه المرأة التي لا تتناهى فضائلها، وحسبها أنها كانت أول من بشر النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة، وأول من آمن به، فإنه عليه الصلاة والسلام ما أن فجأه الوحي ولم يكن يتوقعه، حتى رجع إليها يرجف فؤاده من هول ما رأى، وضمةِ جبريل عليه السلام التي بلغ منها الجهد، فرجع فزعا قائلا لها: زمِّلوني زمِّلوني، وما أن سمعت منه ما جرى له حتى علمت أن هذا الروح الأمين وبشرته بما يسره قائلة له: «كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتُقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»

فما أعظم فقهها! وما أكبر عقلها! رضي الله عنها، حيث استدلت في لمح البصر بكريم أخلاقه على حماية الله تعالى وحفظه له صلى الله عليه وسلم، وأن هذه بشارة خير، وانظر إلى كمال عقلها حيث عزَّزت فقهها وفهمها برأي الذي عنده علم من الكتاب، وهو ابن عمها ورقة بن نوفل رضي الله عنه، فقال له: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: «هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذْ يخرجْك قومُك» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مُخرجِيَّ هم ؟!» قال: نعم، لم يأت رجل قطُّ بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرْك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتَر الوحي» أي انقطع لمدة أشهر.

إن ذكرى وفاتها رضي الله عنها تهيج النفس للتعرف على فضائلها ومناقبها وتأريخها الحافل خيرا وعطاءً لرسول الله ودعوته ونصرته، لنعلم كيف يكون الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف يكون العطاء لله ورسوله، وكيف النصح لله ورسوله كذلك، وكيف يكون الوفاء من الأزواج لمن هي كخديجة.

توفيت رضي الله عنها بعد خروج بني هاشم إلى شعبهم وحصارهم اقتصاديا فيه، وهي بنت خمس وستين سنة، ودفنت بالحَجون، ونزل النبي اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في حفرتها، ولم تكن شرعت الصلاة على الجنائز.

توفيت في العام الذي توفي فيه عمه أبوطالب الذي كان يحدُب على النبي صلى الله عليه وسلم أشد الحدب، ويمنع عنه الأذى فلم يصل إليه أذى يذكر في حياته، مهابة له، ولحمايته له حتى كان يقول:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسَّدَ في التراب دفينا

لولا الملامة أو حذارِ مسبةً ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا

فسمي ذلك العام عام الحزن، لكنه لم يستمر حتى بدده الله بتسلية نبيه برحلة الإسراء والمعراج، التي كانت تعزيزا إلهيا لدعوته، وإيذانا بنصر من الله وفتح قريب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات