التعاون بين الناس على البر والتقوى مطلب رباني، ومنهج إيماني، يقول الله تعالى: ((وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان))، فالإسلام يجعل التعاون طريقه ومنهاجه، لأن به يأمن كل إنسان العوز والحاجة، وبه تحفظ كرامة الإنسان، وتحمى وتصان، ومن أعان غيره، وأوصل للآخرين خيره؛ أعزه الله وأكرمه، وأحبه أخوه واحترمه، قالت خديجة -رضي الله عنها- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين جاءها من غار حراء يرجف فؤاده في اللحظات الأولى من نزول الوحي عليه قالت له: ((كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل -أي الضعيف- وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)) -أي تعين غيرك على أحداث الزمان ونوازله-، فالذي يعين إخوانه ويساعدهم، ويؤازرهم في الحق ويساندهم، لن يتعرض في مستقبله لسوء؛ لأن صنائع المعروف تقي مصارع السوء.
مظهر حضاري
إن إعانة الإنسان لأخيه الإنسان مظهر راق وخلق حضاري، لأنه من أخلاق الإسلام، وهو دين المدنية الراقية، والحضارة الزاكية، ولقد كان وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزداد تهللا -أي يضيء فرحا وسرورا- حين يشاهد الناس متعاونين؛ يحمل قويهم ضعيفهم، ويساعد غنيهم فقيرهم، بينما يتمعر -أي يتغير وجهه من الغضب- حين يرى خلاف ذلك، فعندما جاءه قوم تبدو عليهم الفاقة -أي الفقر-، ويظهر على ملابسهم شدة الاحتياج تمعر وجهه فدخل منزله ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى -صلى الله عليه وسلم- ثم خطب فقال: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا))، و((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد))، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة، يقول راوي الحديث: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب؛ حتى رأيت وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتهلل كأنه مذهبة -أي يضيء كالذهب- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)).
إن الإنسان وحده لا يستطيع التغلب على صروف الحياة وأزماتها وضوائقها وشدائدها، لذا كان لا بد له من إخوان يعينونه، وأصدقاء صدق يناصرونه، يشتد بهم أزره، ويتقوى بهم ظهره.
إن الإنسان وحده مهما أوتي من قوة ومال وجاه لا يستطيع وحده مواجهة أعباء الحياة. إن كل إنسان في حاجة إلى عون، ولن يعان إلا إذا أعان، ومن أعان اليوم في حاجة يعان غداً، وما عاش إنسان لنفسه إلا ندم اليوم على ما كان منه في أمسه.
