شهر رمضان واحد من اثني عشر شهرا ميَّزنا الله تعالى به من بين الأمم، فإن الله تعالى قد كتب الصيام على الأمم السابقة كما قال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لكنه كان صياما على اختيارهم لوقته فيقدمون ويؤخرون، ولعدده فيزيدون وينقصون، حيث لا مزية لوقتٍ لديهم، أما هذه الأمة فإن الله تعالى اختار لها الوقت الذي يتضاعف فيه الأجر، ويكثر فيه التَّجلِّي الإلهي، فكان فرض صيامنا هو هذا الشهر العظيم كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».
فهو الركن الرابع من أركان الإسلام، فإذا كان كذلك؛ فإن الواجب أن يكون فيه المؤمن على حالٍ متميز عن غيره من سائر الشهور، وذلك بشدة الانقطاع إلى الله تعالى، والتقرب إليه بما يحب من العمل، والذي يحبه سبحانه وتعالى في هذا الشهر هو الصيام الشرعي الذي يعني: الإمساك عما حرم الله تعالى فيه خاصة ـوفي سائر الشهور والأيام عامة- ويعني: التسابق فيه للخيرات بما يحب من صالح القول والعمل، ولذلك شرع فيه من العبادات ما لم يشرع في غيره، فشرع فيه صلاة القيام التي هي سبب لمغفرة الله للعبد ما تقدم من ذنبه كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه» وقيامه بصلاة التراويح التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وفعله، فإنه قد كان يقومه منفردا زيادة على قيامه في السنة كلها، فكان يقوم لربه حتى تتقطر قدماه كما قالت عائشة رضي الله عنه «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه، قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا».
وقد كان فعله ذلك محلا للتأسي به فإن الصحابة رضي الله عنهم ما أن علموا قيامه حتى أتوا مسرعين ليصلوا معه فصلى لهم ليليتين ثم ترك؛ خشية أن يفرض على أمته كما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد فصلى بصلاته الناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم، وذلك في رمضان».
وذلك لأن المقام مقام تشريع وهو صلى الله عليه رحيم بأمته كما قال الله تعالى عنه {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} فبقي فعله سنة مجمعا عليها، يتنافس فيها المتنافسون، فلما أُمن الفرض بانقطاع الوحي وانتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى صلى الصحابة رضي الله عنهم القيام جماعةً كما ثبت أن عمر رضي الله عنه جمع الناس في رمضان على أُبَيِّ بن كعب، وعلى تميم الداري رضي الله عنهما على إحدى وعشرين ركعة، يقرءون بالمئِين وينصرفون عند فروع الفجر».
واستمر العمل على ذلك في عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم وعملت به الأمة أجمعها.
