نفس الإنسان ميَّالةٌ للانتقام والأخذ بالثأر، وإذا حُدِّثت حظّاً وحثاً وترغيباً بالعفو والتسامح، نفرت منه ولم تقبل عليه؛ لِما في النفوس من قساوةٍ وغلظةٍ، لكن النفس البشرية إذا رُوّضت بالحق وألزمها صاحبها ورباَّها فإنها تنقاد بإذن الله إذا كان العبد مستعيناً بالله طالباً توفيقه، والله جل وعلا يقول ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) وإذا تذكر المؤمن في هذا المقام ثواب الله وأجره وغفرانه ورحمته وما سيناله على صفحه وعفوه من أجورٍ عظيمة وثواب جزيل هان عليه ما سوى ذلك؛ جاء في سنن أبي داود عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ)).
وقد يرى بعض الناس أن التسامح والعفو ذلٌّ ومهانة وإهانة المرء لنفسه أمام الناس، وأن العزة في الانتقام، وهذا والله مجانبة الحقيقة، فالعز إنما هو في التسامح والعفو، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام مسلم: ((وَمَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلَّا عِزّاً))، أي أن التسامح والعفو لا يزيد صاحبه إلا عزاً ورفعةً وسموَّ قدرٍ في الدنيا والآخرة.
إن أهم مسؤولية اجتماعية تدعو لها قيادتنا الرشيدة مسؤولية التسامح، فديننا دين العفوِ والتسامحِ، وقدْ دعَا إلَى التحلِّي بِهذهِ الأخلاقِ الفاضلةِ، وكانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أعظمَ مثالٍ لذلكَ، فكانَ صلى الله عليه وسلم متسامِحاً معَ الناسِ، يعفُو عنهُمْ ويصفحُ.
ومن مواقفِهِ صلى الله عليه وسلم التِي تفيضُ حلماً وسماحةً حينمَا فتحَ مكةَ إذْ قالَ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ آذَوْهُ وأخرجُوهُ مِنْ بلدِهِ: «يا مَعْشرَ قريشٍ ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعِلٌ بكُمْ؟» قالوا: خيراً، أخٌ كرِيمٌ، وابنُ أخٍ كريمٍ، قالَ: «فإنِّي أقُول لكُمْ كمَا قالَ يوسفُ لإخوَتِه {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ} اذْهَبُوا فَأنْتم الطُّلَقَاءُ».
ومن مواقف السماحة والعفو في حياته صلى الله عليه وسلم حينما همّ أعرابي بقتله حين رآه نائماً تحت ظل شجرة، وقد علّق سيفه عليها، فعن جابر رضي الله عنه قال: «كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بذات الرقاع (إحدى غزوات الرسول)، ونزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحت شجرة فعلّق بها سيفه، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم معلّق بالشجرة، فأخذه، فقال: تخافني؟ قال: لا، فقال: فمَن يمنعك مني؟ قال الله، فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم السيف، فقال: مَن يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ. فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكني أُعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، فأتى أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس.
وعن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني (عباءة) غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة قوية حتى رأيت صفح عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثّرت بها حاشية البرد من شدة جذبته، يعني ترك علامة على عنق الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه عليه الصلاة والسلام ولم يعنفه ولم يضربه ولم يسبه ولم يمنعه من حقه وإنما ضحك له ثم أمر له بعطاء، هكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعلمنا التسامح من خلال سيرته العطرة.
