الصيام عبادة ترك، وليست فعلية، بالمعنى المشهور في الأفعال في عرف الناس، وإن كان الترك يعتبر فعلا عند الأصوليين، والصيام من دلائلهم، فهو من أعظم الأعمال التي يتقرب بها المرء لربه سبحانه وتعالى، ولذلك اختصه الله لنفسه كما في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به».

فخص الله عز وجل نفسه بالصيام مع أن كل أعمال العبد التعبدية له سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وذلك لأن الصوم هو مراقبة لله تعالى فكان سرا بين العبد وربه سبحانه وتعالى، فناسب أن يكون ثوابه سرا كذلك، فلا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، وليس على سُنة الحسنات «الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف» بل أن يكون جزاؤه بغير حساب؛ لأنه صبر على مغالبة النفس في طموحها إلى الشهوات وهو يمنعها منها مع انها بين يديه، فناسب ان يكون أجره بغير حساب كما قال سبحانه في شأن الصابرين:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} والصوم هو صبر، ويسمى شهر الصبر كما في حديث سلمان «وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة» وإنما سمي الصيام صبرا؛ لأن الصبر في كلام العرب هو الحبس، والصائم يحبس نفسه عن أشياء، جعل الله تعالى قوام بدنه بها.

الصبر ضياء

وقد سمي الصبر ضياء؛ لأن الشهوات إذا انقمعت به انجلى من القلب الظلام الغاشي إياه باستيلاء الشهوات على النفس، فأبصر مواقع النفع له من عبادة الله تعالى، فآثرها وابتدر إليها، ومواقع الضرر الذي يلحقه من معاصي الله فاعتزلها وكف عنها، وقد ورد في خبر عن أنس رضي الله تعالى عنه «الإيمان نصفان: نصف في الصبر، ونصف في الشكر».

ولعظيم ثواب الصيام وكبير منزلته عند الله تعالى فقد شرعه الله تعالى في أوقات وأسباب مختلفة، فهو أولاً فريضة في رمضان لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وقوله سبحانه: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ففي الآية الأولى فرضه بعمومه، وفي الثانية فرض شهر رمضان خصوصا على المسلم المكلف، أي الذي سلم من الموانع الشرعية من مرض وسفر وكبر، وسلمت المرأة من حيض ونفاس وحمل وإرضاع، كما دل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».

كفارة المعاصي

والصيام فرض أيضا ككفارة لبعض المعاصي التي لا يكفرها إلا تهذيب النفس وتزكيتها، وذلك ككفارة القتل خطأ أو عمدا على خلاف، وكالفطر في رمضان عمدا بجماع أو بغيره على خلاف، وكفارة الظهار الذي هو منكر من القول وزور، وتسمى كفارة عظمى لكونها صيام شهرين متتابعين، وكترك واجب من واجبات الحج، أو فعل محظور وكالحنث في اليمين بالله تعالى.

فضلا عن طلب الشارع له في أوقات مختلفة كست أيام من شوال، والاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، والتاسع والعاشر من محرم، ويوم عرفة، وعشر ذي الحجة، ومن استطاع صيام يوم وفطر يوم وهو أفضل الصيام.. إلى غير ذلك، وكل هذا يدل على عظيم فضله.

ولعظيم فضل الصيام وأثره الكبير في حياة المسلم والارتقاء بنفسه فإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله عز وجل من ريح المسك، «وهو كناية عن منزلة الصائم عند ربه سبحانه، وأنه ينادى بدخول الجنة من باب خاص يسمى باب الريان كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد».