لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"..الآية رقم 8 من سورة الممتحنة، فما وجه الإعجاز العلمي في هذه الآية؟ وما الحكمة وراء نزولها؟
أستاذ الدراسات العليا بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بجامعة الأزهر، وعضو مجمع البحوث الإسلامية الداعية المصري دكتور محمد مختار المهدي، يؤكد أن في هذه الآية شواهد تكريم أهل الكتاب، حيث قال الإسلام سلمًا وسلامًا، فقال العزيز عن رسولنا "وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ"، مشرعه "الرحمن الرحيم"، منهاجه "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا".
فالإسلام ما جيء به ليلغي الغير، بل جاء ليبني ولا يهدم، يُجمع ولا يُفرق، فقد جاء لإسعاد الإنسان، ومن صور ذلك حسن معاملة المُهادنين للمسلمين؛ أي الذين لا يعترضون طريقهم، ولا يحتلون أرضهم، ولا ينتهكون أعراضهم وهذا المعني معبر عنه في قوله تعالى "لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا"؛ أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفاء منهم، وبرهم؛ أي فعل الخير والبر لهم وحسن معاملتهم، وان تقسطوا إليهم؛ أي تعدلوا، والبر هو حسن الخلق؛ أي المعاملة بأخلاق كريمة والعدل في المعاملة.
وقال النبي صلى الله وعليه وسلم " اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ"، وفي الخصال عن الباقر عليه السلام قال:"الناس رجلان مؤمن وجاهل فلا تؤذي المؤمن ولا تجهل على الجاهل فتكون مثله". وأوصانا الله بحسن معاملة أهل الكتاب، مدللا على ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوِ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". ولأمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب مقولة نورانية إلى سيدنا عمرو بن العاص في قصة القبطي حينما قال "ويُذكر أن ولدًا مسيحيًا تسابق مع ابن والي مصر.
وكان عمرو بن العاص أيام عمر بن الخطاب واليًا على مصر، فلما نجح القبطي في السباق، أخذ بن عمرو العصا، وضرب القبطي وقال "تسبقني وأنا ابن الأكرمين"، وآنذاك انكسر قلب القبطي فأرشده البعض برفع شكايته إلى عمر بن الخطاب فقال له الخليفة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار"، فقال عمرو بن العاص "والله ما فعل ولدي هذا بعلمي"، فرد عليه الخليفة قائلًا:
لا يجوز أن يغيب عنك يا عمرو شيء من شؤون أسرتك وأهل بيتك. فأعطى الخليفة عمر القبطي عصاه وقال له: "اضرب ابن الأكرمين"، وهذا كناية عن العدل في الإسلام، أن يضرب المظلوم الظالم ولو كان مسيحيًا أو يهوديًا.
ونخلص من ذلك في أن الرعاية الإسلامية لأهل الكتاب واضحة وضوح الشمس، وعالية في النهار، وهذا من فقه الإسلام، فالإخاء الديني في الإسلام منحة الرحمن لبني الإنسان.
