قال الله تعالى «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ». يقول الباحث بمكتب الإفتاء في سلطنة عمان الشيخ إبراهيم بن ناصر الصوافي عن الآية إنها تطلب من المسلم والمسلمة أن يغتنما نفحات الشهر ويتزودا منه رصيداً للآخرة «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ».
لقد كان المصطفى، صلى الله عليه وسلم، يقول «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان». إنه الشهر الذي انبلج فيه الصبح وانكشفت فيه الحقائق. وبداية الغيث لتطهير البشرية من ركام الدنيا فهو المخلص والمنقذ.
فلا غرو أن أيام الشهر ولياليه بالنسبة للنبي الكريم شيء آخر تماماً وبالتالي يتقرب إلى ربه في شعبان بالصيام والدعاء. وقالت السيدة عائشة «وما رأيته صلى الله عليه وسلم، أكثر صياماً منه في شعبان». فالمسلم لا ريب تربطه مع رمضان ذكريات غالية قل أن ينساها ومشاعر فياضة لا يمكن أن يخفيها. فهو أعظم وأسمى من أن يبقى في الخيال والمشاعر محبوباً دون الوصول إلى غاياته ومراشده. وهناك عادات وسلوكيات مهمة يمارسها الإنسان في رمضان دون جهد أو مشقة مثل الصيام والقيام وتلاوة القرآن. ولكن من الغرور أن يظن أن ذلك يتحقق دون سعي للتغيير ودون فهم لحكمة الصيام.
وبعض الناس يمر عليهم رمضان مرور الكرام، وهناك أمران أحدهما فكري يتمثل في التصور الخاطئ والآخر سلوكي يتمثل في عدم السعي للتغيير. فالاستعداد البالغ بالأطعمة ومستلزمات الفطورة، يحول الشهر المبارك إلى نهم وشبع وإسراف وتخمة .
ونحن في حاجة ماسة لوقفة صادقة مع أنفسنا وتجريد النفس من أهوائها ونسألها ما دمنا علمنا لماذا خلقنا فماذا صنعنا؟ وما دمنا على يقين بالدار الآخرة فماذا عملنا؟ وإذا كان الوصول للمبتغى في الدنيا يحتاج إلى تخطيط ومصابرة فهل الآخرة دون ذلك وهي أسمى وأعلى «وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى».
إننا بحاجة إلى أن نعيد التصور الصحيح لعباداتنا والنهج السليم لأدائها والتقرب بها إلى الله. فالسعيد من وضع رضا الله غايته الكبرى وسعى إلى تحقيقها مستعيناً بالله مستلهماً نور القرآن في حياته. فعن عبدالله بن عمر قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم، خطاً، وخط عن يمين الخط وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذا صراط الله مستقيماً وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ». وبذلك يمكننا إن شاء الله أن نجعل من شهرنا محطة للسمو والتغيير.
