تناول الداعية السعودي وعضو رابطة علماء المسلمين الشيخ الدكتورمحمد بن عبد الله الهبدان التميمي، الحديث عن غزوة الأحزاب التي وقعت في السنة الخامسة من الهجرة النبوية، واصفا اياها بأنها كانت معركة أعصاب، لا معركة قتال. وكانت امتحانًا عظيمًا للمسلمين وتميّز فيها المؤمنون من المنافقين، وذلك عندما سعى اليهود في تأليب القبائل العربية على الرسول الكريم لاستئصال شأفة المسلمين، ونجحوا في تجييش 10 آلاف وزحفوا بهم على المدينة لهذا الغرض.. ووصف الله تعالى تلك الغزوة بقوله "هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدًا".
وأضاف: عندما بلغ الخبر رسول الله "ص" جمع أصحابه للتشاور حول الموقف، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة لتحصينها، وهو عمل لم تكن العرب تعرفه، وهنا تظهر القيادة الحكيمة، فالرسول "ص" لم ينفرد برأيه ولم يتخذ قرارًا ويفرضه على الجماعة، بل تشاور مع أصحابه وأخذ برأي سلمان وكان الرسول يعمل مع المسلمين في الخندق، فلم يكن يتميّز عنهم. وفي الغزوة ظهر الإيمان الحق، وفضح الله تعالى المنافقين، من خلال المواقف التي عبّر عنها القرآن الكريم، حيث أثنى الله تعالى على المؤمنين بقوله سبحانه: "ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا"..
أما المنافقون وضعاف الإيمان فقالوا: "ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا"، بل ذهبت طائفة منهم أبعد من ذلك. قال الله تعالى : "وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارًا"، كما كانوا يحاولون تثبيط همم المؤمنين، حيث كان بعضهم يقول: "كان محمد يعدنا بخزائن كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن أن يذهب إلى الغائط". وبدأ الحصار واشتدّ على المسلمين، وفي أحد الأيام أخرّوا صلاة العصر عن وقتها حتى غضب صلى الله عليه وسلم وقال: "ملأ الله قلوبهم وأجوافهم نارًا فقد شغلونا عن الصلاة الوسطى". واليوم نرى البعض يؤخّر الصلاة ويشتغل عنها بمتابعة المباريات أو غيرها.
بينما يغضب الرسول والمسلمون معه لانشغالهم في الجهاد عن الصلاة !. و بعد أن ابتلي المؤمنون وزلزلوا، وعاشوا أوقاتًا عصيبة كما قال الله تعالى: "وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر"، وجاء الفرج من عنده سبحانه وتعالى، الذي تكفل بنصر عباده المؤمنين، حيث أسلم في ذلك الوقت نعيم بن مسعود الأشجعي، وجاء إلى الرسول الكريم وقال له: إني أسلمت وقومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت. فقال له رسول الله "ص": "إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة.".. وهنا تظهر أهمية المبادرة، فهذا الرجل لم يقل: أنا رجل واحد ولا أستطيع فعل شيء، بل بادر إلى وضع نفسه في خدمة دينه وخدمة رسوله "ص" وأمته، وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن الصادق.
كما أرسل الله عزّ وجل إلى الكفار ريحًا باردة في ليلة مظلمة كفأت القدور ومزّقت الخيام، فاضطروا للرحيل راجعين إلى ديارهم "وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا". وعندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الآن نغزوهم ولا يغزوننا..والآن نسير إليهم". لقد كانت غزوة الأحزاب معركة أعصاب، لا معركة قتال.
