مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ".. وردت هذه الآية في سورة الأنعام وتحمل الرقم 159.. لكن ما أسباب نزولها ومن خاطبت؟

وما هي الغاية منها والحكمة من ورائها؟ وماذا غيرت في طبائع البشر وحسّنت من سلوك الناس؟.يقول أستاذ الشريعة بجامعة الأزهرالدكتور أحمد محمود كريمة أن الآية نزلت في اليهود والنصارى، حيث تعد هذه الآية المحكمة تحذيرًا وإنذارًا للذين يفرّقون المجتمع المسلم إلى جماعات وطرق وفرق، ويشغلونه بالتعصب، والتمزق والتحزب على الدين الحق؛ لأن الأصل قول الله تعالى "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا" ويقصد هنا بالذين فرقوا دينهم أي الذين تفرقوا في عقائدهم وكانوا أحزابًا شتى.

وقال سيدنا محمد "ص" , ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية، وقال أيضًا دعوها فإنها ممتنة,وذلك في إشارة إلى العصبية والتعصب.

وقد فسّر ابن عباس قوله "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا" بأن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث الرسول "ص" فتفرّقوا فلما بُعث سيدنا محمد أنزل الله عليه قوله تعالى "إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ "، حيث إنهم ليسوا منك، بل هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة. وقد وجّهنا الرسول الكريم في معرض إخباره عما يحصل في أواخر الزمان فيما رواه حذيفة بن اليمان "رضي الله عنه" في حديث طويل الشاهد منه "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة".

وقال حذيفة ماذا أصنع يا رسول الله فقال " فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك".وقال الرسول الكريم -صلى الله وعليه وسلم- "سيخرج في آخر الزمان قوم يختلون الدنيا بالدين، ويلبسون للناس مسوك الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من السكر، وقلوبهم قلوب الذئاب".

وانطلاقًا من الآية رقم 159 من سورة الأنفال وأحاديث الرسول السابقة، فلابد أن يتماسك المجتمع المسلم على قلب رجل واحد ولا يتشتت ولا يتفرق ولا يتعصب ولكن يسير على منهج "كلنا لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" امتثالاً لقول الله تعالى "وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ".

وأكد دكتور كريمة أن وحدة المجتمع المسلم فريضة واجبة، وذلك لأن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلفوا فيه وكانوا شيعًا أي فِرقًا فالله قد برأ رسوله مما هم فيه.