(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).. وردت هذه الآية ضمن سورة الأنفال الآية رقم 2.. لكن ما أسباب نزولها ومن خاطبت؟ وما هي الغاية منها والحكمة من ورائها؟

مفتي مصر الأسبق دكتور نصر فريد واصل، يقول إن سورة الأنفال هي سورة مدنية نزلت عقب غزوة بدر، التي كانت فاتحة الغزوات . وسميت بهذا الاسم؛ لورود كلمة الأنفال بها، وهي تعني لغويا "الغنائم"، حيث كان المسلمون بعد النصر يختلفون حول كيفية توزيع الغنائم فيما بينهم.

واتفق المفسرون، ومن بينهم ابن عباس، على أن الله أراد بهذه الآية أن يبيّن موقف المنافقين بأنهم لا يستمعون إلى القرآن وإذا استمعوا إليه، لا يدخل قلوبهم ، ولا تخشع قلوبهم ولا تلين، ولا يصلون ولا يؤدون الزكاة وأنهم ليسوا مؤمنين.

أما المؤمنون فوصفهم الله بخمس صفات، وبشرهم بأعلى الدرجات، مشيرا إلى أن الصفة الأولى (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)، وهنا وجلت تعني استشعار الخوف من الله، حيث تعني هذه الآية أن المؤمنين الصادقين إذا ذُكرت صفات الله خافت قلوبهم وفُزعت استعظاما لجلاله.

أما الصفة الثانية فعبّر عنها بقوله تعالى (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا)؛ أي أنهم إذا قرأت عليهم آية من الآيات زادتهم إيمانًا؛ بمعنى زادتهم قوةفي التصديق، ورسوخا في اليقين، ونشاطا في الأعمال الصالحة. وفي قوله سبحانه وتعالى ذكر الله (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ) للإيذان بأن هؤلاء المؤمنين الصادقين إذا كانوا يخافون عندما يسمعون آيات الله، فإنهم يكونون أشد خوفا وفزعا من خشيته عند تلاوة آياته الكريمة . وعن الصفة الثالثة في قول الحق الكريم (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)؛ أي ان من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم يعتمدون على ربهم الذي خلقهم بقدرته، ومن نعمته فيفوضون أمورهم إليه وحده . ويقول ابن كثير "رحمه الله" في تفسير الآية إنهم لا يرجون غيره، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجلاله، ويعلمون أن ما شاء الله كان، وأنه المتصرّف في الملك، لا شريك له، ولا معقّب لحكمه، وهو سريع الحساب.

أما الصفتان الرابعة والخامسة من صفات المؤمنين فجاءت في قوله (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، والمراد بإقامة الصلاة أداؤها في مواقيتها مستوفاة لأركانها وآدابها وخشوعها؛ لأن الشأن في صلاة المؤمنين أن يكون إحساسا عميقا بالوقوف بين يد الله . والمراد بقوله سبحانه وتعالى "ينفقون"؛ أي يخرجون ويبذلون من الإنفاق، وهو إخراج المال وبذله وصرفه، والمعنى من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم يؤدون الصلاة في أوقاتها مستوفاة الشروط والأركان والآداب، وأنهم يبذلون أموالهم للفقراء والمحتاجين بسماحة نفس، ، واستجابة لتعاليم الله. ويتضح أن الذين يتصفون بهذه الآية الكريمة هم المؤمنون الذين لهم حقا درجات عالية عند ربهم، ولهم مغفرة شاملة ولهم رزق كبير وكريم في الجنة، يحييهم الله فيها حياة طيبة .