"وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين". الباحث الشرعي الأول بوزارة العدل والشؤون الإسلامية بالبحرين، الشيخ نبيل البلوشي، يشير إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتلو على أصحابه في احدى خطبه يوم الجمعة بوصفه معلماً وواعظاً ومربياً، وبينما الناس من حوله يستمعون إليه وينهلون من معينه، ويستنيرون بتوجيهاته، إذا بقافلة تجارية محملة بالبضائع قادمة من الشام قد حطت رحالها بالمكان، فما إن بلغ صحابته رضوان الله عليهم خبر وصولها حتى خرجوا إليها مسرعين، فلم يبق بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم منهم سوى اثني عشر رجلاً.

فأنزل الله تعالى لقاء هذا الموقف العجيب قوله سبحانه معاتباً لهم على ما صنعوه، ولو علموا الخير الذي كانوا فيه من سماع آيات الله لما تركوا الرسول صلى الله عليه وسلم. وأكد أن الآية دعت الصحابة إلى عدم ترك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والخير الذي كانوا عليه وهم يستمعون إلى آيات كتاب الله وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وما فيه من حياة لقلوبهم وأرواحهم، لما انفضوا من حوله إلى شيء من التجارة أو لهو الدنيا وزينتها، لأنهم لو استحضروا ما عند الله من الثواب والنعيم الذي أعده لمن آثر رضاه وصبر على طاعته سبحانه؛ لعلموا أنه لا مقارنة بين شيء من ذلك وبين ما انصرفتم إليه، إذ الله تعالى خير من رَزَقَ وأَعْطى.

وقال: إن كلمات الآية ممتلئة بالعتاب والموعظة البليغة ولا تحتاج إلى مزيد بيان أو شرح، ولكن عظمة بيان القرآن تحتم علينا أن نتجاوز بها هذه الحدود، لنقرع بها أسماع كل من انفض عن شيء من الخير الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، واشتغل عنه بشؤون رزقه ومعاشه، فضلاً عن أن يشتغل عنه باللهو أو بما لا فائدة من ورائه. وتساءل الشيخ: ماذا لو جعل كل إنسان منا هذه الآية في هذا الشهر المبارك نصب عينيه وهو يرى نفسه منشغلة بشؤون دنياه على حساب دينه وآخرته؟

وأشار إلى ذلك الرجل الذي ترك جموع المصلين في صلاة التراويح، وانصرف عنهم ليدرك المسلسلات والمسابقات الرمضانية، وإلى تلكم المرأة التي تركت نوافل الطاعات والاستكثار من الحسنات، وانصرفت عنها لتنهمك في إعداد تلك المائدة المزدحمة بصنوف المأكولات والمشروبات.

وذلك الشاب الذي ترك الجماعة في الصلوات الخمس، وانصرف إلى نومه طوال النهار من جراء سهره مع زملائه في القيل والقال، وما لا يرضي الكبير المتعال، إلى التجار الذين هبوا مجتهدين لاستغلال هذا الموسم في تحقيق مكاسبهم وزيادة أرصدتهم، وانصرفوا عن التجارة العظمى مع المولى تبارك وتعالى. ونقول للذين تضيق صدورهم ولايتحملون الآخرين بحجة الصيام ومشقته، فحرموا أنفسهم من أن ينجحوا في اختبار الصبر والإحسان إلى الخلق، فانصرفوا إلى خدش صيامهم ببذيء الكلام وسيئ الأخلاق، إلى هؤلاء وغيرهم ممن انصرف عن أبواب الجنة التي فتحت، ونفحات الخير التي عمت، وفيوض الرحمة والغفران التي أغدقت.