يقف القاضي اليمني محمد راشد عبدالمولى عضو المحكمة العليا في معرض تأملاته القرآنية عند قوله تعالى: "قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل" يونس - 118
انها تبين حقيقة التوحيد، فالإنسان لا ينجيه عند الله إلا الإيمان. والكلام موجه لرسول الله بأن يخاطب الناس أنه قد جاءهم الحق. فمن اهتدى للإيمان فلنفسه ومن ضل بالكفر والإعراض عن الإيمان فوبال ذلك مقصور عليه.
ونزلت الآية بعد سرد لقصص بعض أنبياء الله في السورة، فذكرت قصة نوح مع قومه وموسى مع فرعون ونبي الله يونس. وفيها تسلية لخاتم الرسل لما واجهه. وفيها بيان لسنة الله في إهلاك الظالمين ونصرة المؤمنين. وأساس الإيمان بالله الاعتقاد والعمل بأركان الاسلام وبأركان الايمان والأعمال الصالحة. ثم هناك الاجتهاد الفقهي في إطار تلك الأركان ويكون فيه الخطأ والصواب فالله تعالى كرم الانسان بالعقل.
وقد سبق الآية سالفة الذكر الآية 99 من السورة ذاتها "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " وتضمنت سورة هود سرداً لبعض قصص الأنبياء والرسل نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهارون فكان ذلك لاستمرار التسلية لخاتم رسل الله؛ لما لقيه من الأذى من الكفار والمشركين وحثاً لرسول الله على الصبر والثبات.
وجاء في نهاية السورة قوله تعالى في الآية 119: "لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم". فالله تعالى يقرر أنه لو شاء لجعل الناس كلهم مؤمنين مهتدين على ملة الإسلام، لكنه لم يشأ ذلك فالناس مختلفون على أديان شتى وملل متعددة ولذلك خلقهم الله لتكون عاقبة اختلافهم بين شقي وسعيد.
وباب الاختلاف مسموح به فهو سنة من سنن الله، ويكون للمؤمنين في إطار مبادئ الإسلام وأركان الإيمان. واليوم نجد فتنة طائفية في أوساط المسلمين وخاصة في الوطن العربي.
فاختلاف السنة والشيعة كان في فجر الاسلام وخلف قتلا ودمارا نتيجة التخلف، فما بالنا نعيد تكراره بافتعال المعارك باتهامات تنتهي بمواجهات مسلحة وكل مذهب يعتقد أنه على صواب.
ولاشك أن الفتنة الطائفية لا تخدم الاسلام ولا تخدم مجتمعاتنا، بل تؤدي إلى التشظي والتقهقر والمزيد من التخلف. وقد قال الله سبحانه وتعالى "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" الأنفال آية 46.
وللأسف هناك من يغذي الفتنة المذهبية والطائفية لتبقى مجتمعاتنا تابعة للغرب ومنشغلة في ما بينها، بدلا من أن تتجه إلى استثمار خيراتها الكبيرة وثرواتها المتعددة للقضاء على البطالة، ونشر التعليم والعمل على احترام حقوق الانسان والمواطنة المتساوية وسيادة القانون على الجميع، خدمة للاسلام ومجتمعاتنا، ويوم القيامة سيكون يوم الفصل النهائي في ما كان عباد الله يختلفون فيه. وقد استأثر ربنا في أن يكون يوم الفصل هو يوم الأحكام النهائية.
