جاء قول الله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"،"الآية 183 من سورة البقرة". لتؤكد أن صوم رمضان واجب على كل مسلم حسب ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع. وتعليقاً على مدلول هذه الآية الكريمة، يقول الداعية السوري الشيخ محمد مراد خزنوي: ان الحق سبحانه وتعالى يبدأ هذه الآية الكريمة بترقيق الحكم الصادر بالتكليف القادم وهو الصيام، فكأنه يقول: "يا من آمنتم بي واحببتموني لقد كتبت عليكم الصيام".

وعندما يأتي الحكم ممن آمنت به , فأنت تثق أنه يخصك بتكليف تنال منه فائدة . واضرب هذا المثل ـ والله المثل الأعلى ـ هب أنك تخاطب ابنك في أمر فيه مشقة، لكن نتائجه مفيدة، فأنت لا تقول له: "يا ابني افعل كذا" لكنك تقول له: "يا بني افعل كذا" وكأنك تقول له: "يا صغيري لا تأخذ العمل الذي أكلفك به بما فيه من مشقة بمقاييس عقلك غير الناضج، ولكن خذ التكليف بمقاييس عقل وتجربة والدك".

ويؤكد أن الآية يخاطب فيها الله عز وجل المؤمنين الذين يأخذون خطاب الحق لهم "يا أيها الذين آمنوا" بمقياس المحبة لكل ما يأتي منه سبحانه من تكليف حتى وإن كان فيه مشقة، والمؤمنون بقبولهم للإيمان إنما يكونون مع الحق في التعاقد الإيماني، وهو سبحانه لم يكتب الصيام على من لا يؤمن به؛ لأنه لا يدخل في دائرة التعاقد الإيماني وسيلقى سعيرا. والحكمة من وراء الآية هو التأثير العجيب للصوم في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنية، فتبرز الغاية من الصوم وهي التقوى التي تستنهض ما في القلوب والفريضة تحرس القلوب من إفساد الصوم بالمعصية، والمخاطبون بها يعلمون مقام التقوى عند الله.

والآية وتأثيرها في طبائع البشر تتجلى في حالة الصبر، وهو متحقق في الصيام، وخاصة الصبر على الشهوات وما يتحمله الصائم من ألم وجوع وعطش فضلاً عن الشعور والإحساس بمشقات الفقراء والمساكين، وبالتالي تجسيد حقيقة الأخوة التي غرسها رسول الله "صلى الله عليه وسلم" في قلوب أصحابه. والصيام يعني الامتناع عن شهوتي البطن والفرج من الفجر وحتى الغروب.

ومبدأ الصوم لا يختلف من زمن إلى آخر، فقد كان هذا الركن التعبدي موجوداً في الديانات السابقة على الإسلام، لكنه كان إما إمساكاً مطلقاً عن الطعام. أو امتناعا عن ألوان معينة من الطعام كصيام النصارى. ولهذا يعتبر الصيام منهجاً لتربية الإنسان في الأديان، وإن اختلفت الأيام عدداً، وإن اختلفت كيفية الصوم ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: "لعلكم تتقون". ونعرف أن معنى التقوى هو أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال وقاية، وأن نتقي بطش الله، ونتقي النار وهي من آثار صفات الجلال.

أما قوله الحق: "لعلكم تتقون" أي أن نهذب ونشذب سلوكنا فنبتعد عن المعاصي، والمعاصي في النفس إنما تنشأ من شره ماديتها إلى أمر ما. والصيام كما نعلم يضعف شره المادية وحدتها وتسلطها في الجسد. ومن فوائد الآية أن الصيام في رمضان يعطي الإنسان الاستقامة لمدة شهر، ويلحظ الإنسان حلاوة الاستقامة فيستمر فيها بعده.