تفرض البيئة سطوتها في اختيار نمط الحياة لساكنيها، فالبيت لا بد وأن يتلاءم مع المناخ العام لتلك الأجواء، ففي البيئة الصحراوية اتخذ الإنسان البدوي من بيت الشعر مسكناً يأويه ويقيه تقلبات المناخ.. ذلك البيت المصنوع بطريقة مبتكرة تمكّن ساكنيه من الانتقال بسهولة ويسر من مكان إلى آخر بسبب خفة الوزن التي يتمتع بها.
ويمتاز بيت الشعر بمجموعة خصائص، منها القدرة على تدفئة السكان من البرد القارس في الشتاء، وحمايتهم صيفاً من أشعة الشمس الحارة، كما يضم في تكوينه مسميات عدة اشتهرت بين البدو في الماضي، وتستخدم في عملية البناء والتنظيف والغزل، مثل «المطرق» وهو عبارة عن عصا تستخدم لتنظيف الشعر المغزول أخشابها مستمدة من شجرة السدرة، و«التغزالة» وهي كذلك قطعة خشبية تساعد المرأة في عملية الغزل.
عناصر أساسية
الصوف وشعر الحيوانات، عناصر أساسية تدخل في تركيبة بيت الشعر المغزول بطريقة محكمة على يد النساء، ونتيجة هذا الغزل اليدوي واستخدام المواد الطبيعية، لا يمكن لمياه الأمطار أن تتسرب إلى الداخل في الشتاء، السبب يعود إلى انتفاخ خيوط الشعر عندما تسقط عليها قطرات المطر، لتضيق الخناق على الفتحات الصغيرة وتمنع بهذه الخاصية تسرب المياه إلى الداخل، لكنها في المقابل تسمح بخروج الدخان المتصاعد من نار التدفئة المشتعلة في الداخل، في حين تبقى الخيوط منكمشة في الصيف نتيجة تأثرها بالمناخ الحار، مما يجعل الثغرات بين الخيوط تبدو متسعة كي تسمح للهواء بالمرور إلى الداخل.
انتشار معاصر
ولم تستطع البيوت الحديثة حرمان بعض الأفراد من رائحة بيوت الشعر القديمة، وقد انتشرت في بعض البيوت الفاخرة، سواء كانت في الأرياف أو المدن، فتجد بيوت الشعر في الساحات، وقد أصبحت علامة بارزة تعبر عن تراث دولة الإمارات، إذ راج استخدامها بصورة لافتة في فصل الشتاء، فضلاً عن ارتيادها في شهر رمضان المبارك، وبالقرب من تلك الخيمة التقليدية، عكف كثيرون على بناء «الحظرة» أو «الحظيرة»، وهي عبارة عن سور قليل الارتفاع مصنوع من جريد النخل، يتسع لمجموعة من الناس، بما يمكنهم من إشعال النار وسط هذه الجلسة.
وهذه «الحظيرة» كانت من الأدوات المرتبطة بالإنسان البدوي، والتي يكثر استخدامها في فصل الشتاء أيضاً، ولعل ما يميز هذه المنطقة الصغيرة المحاطة بسور جريد النخل، أنها كانت ولا تزال تجمع بين سكان المناطق، كما يصفها البعض، على أنها مجلس مفتوح في الهواء الطلق.
«المنامة» أو «السيم»
«المنامة» أو «السيم» كما يطلق عليها، وهي موقع مرتفع مصنوع من سعف النخيل «الدعون»، يُبنى وسط البيت.
وقد تداول هذا النوع من المجالس المفتوحة سكان الإمارات والخليج في الماضي، وهي من الابتكارات التي صممها الإنسان القديم لتخدمه في إقامة الجلسات واستضافة الزوار من الحي أو الجلوس مع أفراد الأسرة لتناول «الفوالة»، والتي غالباً ما تتكون من دلة القهوة وإلى جوارها التمر، وبعد انعقاد الجلسات الأسرية الصغيرة على بساط المنامة، كان البعض يستخدمها لأخذ قسط من الراحة أو النوم في المساء، وتحديداً في فصل الصيف.
وتتميز «المنامة» بارتفاعها الذي يمنع اقتراب العقارب والحشرات والزواحف إلى الجالسين فوقها، ما يجعلها أكثر أمناً مقارنة بالمنزل التقليدي المصنوع غالباً من سعف النخيل.
