يزخر المطبخ الإماراتي القديم بالعديد من المأكولات التراثية والشعبية، التي ظهر بعضها بفعل الحاجة ونتيجة البحث عن طرق لحفظها لأيام أخرى، ومنها «المالح» الذي كان في بدايته مجرد طريقة لحفظ الأسماك من الفساد نظراً لعدم توافر أجهزة التبريد آنذاك. ولكن طعمه المميز ومحافظته على الجودة الطبيعية للسمك، جعلا منه واحداً من أهم الأكلات الشعبية التي تلقى حضوراً طاغياً على المائدة الإماراتية في شتى المناسبات.
تنشط صناعة المالح في المواسم التي تتميز بوفرة الأسماك، وانخفاض أسعارها، وخصوصاً في فصل الصيف، إذ يبادر العديد من الصيادين وأرباب الأسر إلى استغلال هذا الموسم في تخزين الأسماك عن طريق تمليحها، واللجوء إليها في الأيام التي تشح فيها الأسماك، نظراً لتردي الأحوال الجوية أو لطبيعة تكاثر الأسماك وهجرتها في بعض المواسم.
عملية دقيقة
محمد إسماعيل، أحد صيادي الأسماك في إمارة الشارقة، قال: إن تحضير «المالح» يتم في عملية دقيقة تتطلب الخبرة والإلمام الكافي بتفاصيل هذه الحرفة، إذ إن هناك معايير ومقاييس دقيقة تخضع لها صناعة «المالح»، ومنها نوعية الأسماك وطرق تقطعيها وتمليحها، حيث تختلف كميات الملح المستخدمة لكل نوع من الأسماك.
وأضاف أن الخطوة الأولى في صناعة المالح تبدأ بعد صيد الأسماك أو شرائها، فيتم تنظيف أحشائها وأطرافها، وبعد ذلك تقطيعها إلى قطع متوسطة مع مراعاة حجم السمكة، لأن الملح يعمل على تفتيت القطع الصغيرة وربما ذوبانها مع مرور الوقت، فتصبح العملية بلا جدوى.
الطعم والمذاق
وأشار إسماعيل إلى أن كمية الملح وآلية تنظيف الأسماك وتقطيعها وطرق حفظها، من العوامل الأساسية التي تحفظ للسمك طعمه ومذاقه الرائع، وتتكفل كمية الملح المستخدمة بحفظ الأسماك من التلف والتعفن، ويتيح تقطيعها وإزالة أحشائها تغلغل الملح في جميع أجزائها، كذلك تتطلب عملية الحفظ درجة حرارة متوسطة، مع ضرورة ألا تتعرض للشمس وإحكام إغلاقها بحيث لا تتعرض أيضاً للهواء الذي يعمل على أكسدتها أو تفاعلها مع المحيط الخارجي وتصبح العملية عديمة الفائدة.
كهات مختلفة
وأوضح أن هناك العديد من الأسماك يمكن تمليحها وحفظها لفترات طويلة، ويبقى سمك «القباب» و«الكنعد» من أشهر وأفضل الأسماك التي تستخدم في المالح، وذلك لإمكانية حفظه لفترات طويلة، ومحافظته على طعمه اللذيذ، مشيراً إلى أن صناعة المالح هي مهنة وخبرة لا تقل عن المهن الأخرى، لذلك يلجأ من لا يدرك أسرار هذه المهنة إلى شراء علب المالح من الصيادين المعروفين أو المتخصصين في صناعته.
نكهات شهية
يقدم المالح بنكهات تراثية تقليدية مختلفة، تعتمد على الطريقة التي يشتهيها الشخص، فهناك من يفضل تناوله مع الأرز الأبيض والبصل والليمون والسمن العربي، وذلك بعد غسله من الأملاح وسلقه للتخلص من الشوائب والجلد بسهوله، وآخرون يفضلون طهيه مع البصل ليصبح أشبه بـ«صالونة السمك» أو إعداده بصورة «مجبوس مالح».
