لطالما عرف التمر أنه مصدر غذائي رئيسي في المنطقة، فمن هذه الثمرة الصغيرة، صنعوا في الماضي أطباقاً كثيرة قابلة للأكل أو التخزين لفترات طويلة، منها الدبس، وهو المادة السائلة المستخلصة من التمر، و«المدبس» هو التمر الذي تضاف إليه كمية من الدبس، ويمزج مع السمسم والزنجبيل.
تبدأ عملية استخراج الدبس من «المدلوك»، وهو التمر المهروس بالأقدام، والذي يُفرد فوق «المسطاح» وهو مجموعة من سعف النخيل مربوطة ببعضها البعض بالحبال «الدعون»، ويفرد التمر فوقه حتى يتعرض لأشعة الشمس، وتتم صناعة «المدلوك» من خلال وضع التمر ودهسه كي يختلط جيداً ويصبح متناسقاً كالعجين. «المدلوك» حسب ما أوضحت الوالدة مريم سيف «أم محمد» قد يكون من التمور الممزوجة بنكهات طبيعية مثل الزنجبيل والزعتر، ويتم وضعه في صندوق محكم الإغلاق.
غرف خاصة
ويكثر استخدام «المدبس» في فصل الشتاء، كما تضيف أم محمد، وتُخصص له غرفة لحفظ التمر بعد انتهاء موسم الرطب نهاية فصل الصيف، وهذه الطقوس متعارف عليها منذ أمد بعيد، إذ اشتهرت بعض القبائل والمناطق في الإمارات قديماً ببنائها بعض «المدابس» وهي مخازن ضخمة لحفظ التمور قبل نحو 100 عام أو أكثر، حيث يتم كنز التمر حتى يتسنى تناوله في فصل الشتاء، ولا يزال بعض الأسر إلى الآن يحافظ على هذه الطقوس التراثية، وهي تعتبر أن هذا اليوم يعد مناسبة اجتماعية خاصة تحتفل بها الأسرة وسط لفيف من الأهل والأصدقاء. ورغم العناء الذي يتكبده البعض في جمع وفرد الرطب في جميع مراحل إعداد المدبس وخطواته، إلا أن شغف تذوق الطعم النهائي لهذه العملية يزيح الشقاء والتعب.
«جش حبش»
من أبرز أنواع التمور أو الرطب المشهورة باحتوائها على الدبس «جش حبش»، وتشير أم محمد إلى أن التمر يخضع لعملية تنظيف الشوائب منه بعد نقله من على «المسطاح»، ويستخرج منه «البسر» أو البذرة من الداخل، كي يُكنز في كيس مصنوع من سعف النخيل يسمى «اليراب»، وقد كانت النساء في الماضي يجتمعن سوياً لصنع «اليراب». ويعتبر «المدبس» في الماضي من أهم الوجبات التي تسد الرمق في شهر رمضان، باعتباره بديلاً عن الرطب، لاسيما في فصل الشتاء، ولا تزال سيدات كثر إلى جانب الرجال، يحرصن على إعداد هذا الطبق الغني بعسل التمر الأسود، وتلقى هذه الأنواع من الأطعمة رواجاً منقطع النظير في الفعاليات والقرى التراثية نتيجة انفرادها بمذاق سكري مفعم برائحة الماضي، إذ تضفي الأدوات القديمة مثل سعف النخيل، على طعم المنتج، نكهة لا مثيل لها. «البثيثة»
ثمة أصناف من الطعام لا تزال حاضرة في مناسبات مختلفة، رغم موجة التطور والحداثة التي لم يسلم منها الطعام أيضاً، وفي هذا الصدد، تقول طريفة أحمد، متخصصة في طهي المأكولات الشعبية: البثيثة واحدة من الأكلات المميزة التي تقدم للضيوف، ونحتاج لإعدادها بعض المكونات في مقدمتها التمر، إلى جانب الطحين والهيل والزنجبيل والسنوت والدهن، وقد تطور إعداد البثيثة الآن، وبرزت اجتهادات مختلفة، فهناك من يضيف إليها مكونات أخرى جديدة مثل الحليب أو بعض أنواع الحلويات السائلة.
