«زفانة الدعون» من الحرف التقليدية القديمة التي مارسها الإماراتي، للتغلب على صعوبات الحياة، وتوفير المأوى الذي يتحمل حرارة الصيف وبرودة الشتاء، إضافة إلى استخدامها في العديد من المرافق التي شُيّدت في الماضي، ولا يزال حضور بعضها لافتاً إلى يومنا الحالي، وتعد «الدعون» من الصناعات الأساسية التي دخلت في العديد من المنازل منذ القدم، وخصوصاً تلك التي تقع في المناطق الجبلية والساحلية.

تكريب النخيل

عن ذلك يقول محمد الطنيجي أحد الأشخاص الذين ألموا بتفاصيل هذه المهنة، إن صناعة «الدعون» تكون في بعض المواسم، وخصوصاً الأيام التي يتم فيها «تكريب النخل» أي تقليمها بشكل سنوي، بهدف التخفيف عنها وتحسين مظهرها وتسهيل مهمة تسلقها على المزارع الذي كان يضطر لتسلقها مرات عدة بغرض «تلقيحها» وجني محصولها من الرطب، إذ يحرص العديد من المزارعين على تكريب النخلة سنوياً، وهناك من يفضل القيام بهذا الأمر قبيل الأيام الأولى من نضوج ثمارها، وآخرون يفضلون تكريبها أثناء عملية «تنبيتها» أي تلقيحها.

وهناك من يفضل القيام بذلك أثناء عملية إنزال ثمرة النخلة و«تقريق عذوقها».ويضيف إن الخطوة الأولى في صناعة «الدعون» تبدأ بعد تكريب النخلة، إذ يتولى المزارع فرز سعف النخيل «الخوص» بحسب الحجم، ومن ثم تنظيف أطرافها من الشوك، وبعد عملية الفرز التي يتم فيها تقسيم السعف حسب الحجم والغرض المخصص له «الدعن»، يُنقل السعف إلى ساحة الزفانة، ويصب الماء عليه، وتسمى هذه العملية «التخريس»، إذ يترك لمدة يوم أو يومين في بعض الأحيان، حتى يصبح الخوص أكثر مرونة ولا يتعرض للكسر أثناء عملية «الزفانة»، وكذلك الحال مع الحبال التي يتم نقعها في الماء حتى تصبح أكثر قوة، ولا تتعرض للقطع أثناء شدها على الخوص.

فرز السعف

قبيل عملية الزفانة بساعات، يبدأ المزارع فرز سعف النخيل بحسب أشكالها، يقوم أولاً بتقسيمها إلى مجموعتين، إحداهما على اليمين والأخرى على اليسار، ويتطلب ذلك خبرة ودراية، خصوصاً وأن بعض السعف غير مستقيم، وإن لم يصنف السعف بهذه الطريقة سينتج عن ذلك خلل وضعف في تماسكه.ويشير إلى أن عملية «الزفانة» تتطلب وجود مجموعة من الأشخاص، بين أربعة إلى ستة، بحسب حجم الدعن المراد تصنيعه، يمسك كل منهم أحد الحبال، ويتم صف «الزور» وربطه بالحبال بطريقة عكسية، أي يتم صف خوصة من جهة اليسار وأخرى من اليمين، وبعد الانتهاء من الدعن الأول، يشرعون في تنفيذ الذي يليه فوق الدعن الأول.

وتستخدم الدعون في مجالات عدة، وتتنوع طريقة صناعتها حسب استخدامها. ويمكن وضعها على قواعد وسط المنزل، مرتفعة قليلاً عن الأرض يطلق عليها «المنامة» التي كانت تستخدم للنوم، في الأيام التي تشتد فيها الحرارة.

تعاون وتواصل

 

قال الطنيجي: إن «الدعون» كانت تشكل مصدر دخل للعديد من المزارعين وملاك المزارع، وقد شجع الطلب المتزايد عليها آخرين على الإقبال على هذه الحرفة، وكان أبرز ما يميزها أنها تحفظ قيم التعاون والتواصل بين أفراد المجتمع، فالمزارعون يجتمعون كل يوم لمساعدة أحد في عملية «الزفانة»، ومن ثم الانتقال لمساعدة شخص آخر.