أجواء من الخوف والتوتر تطبق على المكان ، دمع ينسكب مجسدا الأحزان ، دم يسيل في ساحة الميدان ، وشوارع دمشق يلفها الصمت الذي يهز الوجدان ، وبكاء يعلو ويعلو ونحيب يزداد والليل الغارق في ظلمته والفجر الذي يغزل خيوطه في رمضان ليضمخ بنان الأيام بسحر البيان وليغرس في القلب المزيد من الايمان . في تلك اللحظات كان دوي الرصاص يجلجل في المكان وبرق القذائف يلمع في السماء ، وفي الأرض ينقطع حبل الرجاء في أمن مزعوم وفي نظام موهوم وشعب أعزل مظلوم أن يأتي الأمان .وانبجس فجأة صوت يحمل صرخة ألم.

حيث يواصل النظام حملته العسكرية على المدن والقرى السورية كافة،وجاء الصوت من حي جوبر معلنا سقوط المسحراتي أحمد أبو القصب قتيلاً بإطلاق نار عليه لا لذنب جناه سوى دعوته الناس للاستيقاظ لتناول وجبة السحور استعدادا لصيام تال، وهوعمل يقوم به منذ فجر أول يوم من أيام رمضان، وسبق ان قتل زميل له في ريف حلب برصاص قوات النظام.

ان الخوف المزروع في الأحياء جعل الباعة الجائلون يختفون من ساحات دمشق، حيث التزموا المكوث في البيوت أو النزوح عن ديارهم نحو أماكن بعيدة وآمنة ،تاركين عرباتهم الخشبية أمام منازلهم كعملية تمويه . ولم يعد الازدحام قبل موعد الافطار يثير أزمة مرورية لأنه ازدحام منظم ، زحام دبابات تغلق الشوارع ورصاص قناصة يلتقط ضحاياه عشوائياً. في سوريا التي كانت بلدا لخير وفير، يضطر الآلاف فيها الآن وبشكل يومي الجمع بين وجبتي الافطار والسحور، وغيرهم كثيرون يسقطون قتلى وهم صائمون. وفي الأرياف أضرم النظام نيران في حقول المزارعين لتفقد الأرض خيراتها، وتذهب تكاليف الري الباهظة سدى ،ويبقى السكان بلا خضروات وبالتالي بلا وجبات.

ويضطر بعض المحظوظين للافطار على شوربة العدس واستخدام الخبز اليابس، والتجمع أمام الشمعة في منزل سقفه منخفض جداً تحسباً لضربات قذائف الهاون وجاء نزوح بعض الصائمين من قرى وبلدات في دمشق وريفها، بحركة دائرية من بلدة إلى أخرى كسمة تبرز حال القاطنين في دمشق، فاختلطت عليهم مواعيد الافطار والسحور وسط نقص حاد للمواد الغذائية، وعدم وجودأماكن تأويهم ماجعلهم عرضة لتلقي ضربات القذائف في أي لحظة.