تناول الشيخ صلاح الجـودر خطيب جامع الخير بمحافظة المحرق في البحرين معاني الآية القرآنية الكريمة من سورة الرعد «إِنَّ اللَّه لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»، وقال إنها تمكننا أن ننطلق لمعالجة داء وسقم النفس، وننطلق منها لمعالجة كل القضايا والإشكاليات التي تعترض طريقنا في الحياة.

وإذا عرف السبب بطل العجب، فمع شهر الله الكريم، يحلو لنا التوقف عند أعمالنا السنوية، سواءً الفردية أو الأسرية أو المجتمعية، لإعادة قراءتها وتحليلها، ومن ثم تقويمها وتصويبها لمواكبة الحضارة البشرية، فرمضان هو الشهر الأجدر بالرعاية والاهتمام لما يتملك الفرد المسلم من شعور التوبة والأوبة والرجوع إلى الله، وكذلك تقييم ومراجعة ومحاسبة النفس، وبالتأمل في آيات الله نجد العلاج لكل داء.

والآية ترشدنا إلى أن الذنوب والمعاصي والأخطاء المجتمعية وغيرها مكمنها في النفس لأنها أمارة بالسوء، وتدعو إلى كل خطيئة، لذا فهي تحتاج مراجعة مستمرة وتقويما دائما، ومحاسبة جادة، فالعلاج كما بينه المولى تبارك وتعالى في نفس الآية أنه في النفس، لذا تحتاج إلى مراقبة مستمرة من خلال العقل الذي ميز الله الإنسان به عن سائر المخلوقات. وقد قال الشاعر الشيخ سلطان الجودر المتوفي عام1919: «العقل ميزان لنفسك فأنصف واحذر دسائس مكرها وتعففِ»، لذا نجد أن النكبات والمشكلات والأزمات التي تحل بالمجتمعات أساسها النفس.

 ونحن في شهر الله الكريم، نحتاج إلى مراجعة ومراقبة كبيرة لكل أعمالنا، فالكثير اليوم قد تلطخ بالمعاصي والذنوب، وانشغل بالدنيا وزينتها، وجاء الأعداء ليوسعوا دائرة الخلاف والشقاق بين الإخوان، فنشروا سمومهم وأدواءهم لتمزيق الأمة وتحويلها إلى دويلات متناحرة، وكنتونات طائفية متصارعة، يلعن بعضها بعضا، وقد نسى الجميع قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، من هنا فإن فيجب أن نعود إلى كتاب الله وسنة نبينا نرى المنهج الصحيح والخالي من الشوائب، قال تعالى: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ) [النحل: 92].

وشدد الجودر بأن المسؤولية تحتم على الجميع التوقف في هذا الشهر ليس فقط لمعرفة صحة الصوم وأصوله، بل يجب أن يستفيد المسلم منه بما يعزز أمنه واستقراره، من خلال فتح مجالات المشاركة الاجتماعية من زيارات وتواصل مجتمعي، وطرح القضايا على طاولة الحوار المباشر والصريح، وأن يبدأ الفرد بنقد ذاته.

ولا يمكن ذلك إلا بالنية الصادقة والعمل المخلص، فاحترام الفرد لذاته يبدأ من احترامه للغير، بهذه الثقافة الإسلامية الراقية يمكننا أن نشيع صور التسامح والتعايش التي أسس أركانها النبي محمد «ص» حينما هاجر إلى المدينة المنورة ووضع وثيقة المدينة كدستور يتعايش الناس تحت ظله. فقد كانت المدينة المنورة هي المجتمع المدني المتنوع حيث ضمت المسلمين واليهود وغيرهم من الديانات، واستقبلت نصارى نجران وغيرهم من أجل التعايش الاجتماعي بينهم.