سحر الرحيل إلى الشرق.. شهادات كبار المبدعين
رسامون، علماء، قناصل، رحالة، أدباء شّدوا رحالهم إلى الشرق وأرض العرب والمسلمين بحثاً عن حياة جديدة بعد أن ملّوا عن مجتمعاتهم، فوجدوا في الشرق الروح التي تُلهب عقولهم بالإبداع والابتكار والحياة، بعد أن كانوا يعتقدون أن حضارتهم وحدها الموجودة على الأرض لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن الحضارة العربية الإسلامية هي منبع كل ما أنجزوه. في هذه السلسلة من المقالات، نحاول تسليط الضوء على رحلات هؤلاء الرجال الذين قدموا شهاداتهم السمعية والبصرية والكتابية عن بلاد العرب والمسلمين بروح نقيّة بعيداً عن الأفكار المسبّقة التي رسمّتها بعض الدوائر السياسية، ذات الأغراض الاستعمارية.

زار الرحالة الألماني كرستن نيبور مدينة صنعاء في 1763، ومن خلال ما كتبه يعطينا صورة واضحة عمّا كانت عليه المدينة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهو توثيق حيّ عن حياتها الاجتماعية المتمثـلة بطــرازها المعمــاري المرتبــط بحياة الناس، واصفاً موقع المدينة، وأهم مساجدها، وأسوارها وأبوابها. كما يأتي على ذكر بستان المتوكـل الذي أنشأه الإمام المهدي العباس. ويذكر أربعة أبواب لصنعاء الكبيرة:
باب اليمن، وباب السبح، وباب شعوب، وباب إستران. وكذلك يصف جوامع المدينــة والحدائــق الغناء.
جوامع صنعاء ومناراتها

وقد أحصى نيبــور عدد المنارات (مآذن الجوامع) فوجدهـا تسع إلى عشر منارات. ويقع الجامع الكبير في منتصف المدينة وله منارتان (مئذنتان). أمّا المساجد الأخرى، فقد قيل لنيبور إنّ أسماءها هي:
المدرسة، صلاح الدين، الطواشي، البكيرية، ومسجد آخر داخل القلعة. وقد بني بعض هذه المساجد من قبل الأتراك (أي في عصر الفتـح العثمانــي الأول لليمن سنة 945 هـ / 1538م)، وبنى الإمام المهدي عباس مسجداً فخماً غنياً بالمياه التي ينتفع بها الإنسان والحيوان. وشيد بجانب المسجد مبنى صغيراً جهز فيه قبراً له.


استطاع الرحالة كرستن نيبور أنّ يصور الحياة الاجتماعية التي عاشها سكان صنعاء وذلك من خلال وصف الطرز المعمارية في صنعاء المرتبطة بحياة الناس، قائلاً:

"ويوجد في مدينة صنعاء حوالي اثني عشر حماماً عاماً، ومجموعة من القصور الفخمة، كقصر بستان السلطان ودار النصر ودار فتح، وقد بنيت جميعها من قبل الإمام المهدي عباس. إضافة إلى قصر الإمام المنصور، وإلى العديد من البيوت الكبيرة التابعة لأفراد أسرته ولأعيان صنعاء. وهذه الدور والقصور مبنية بالحجارة المنحوتة أو بالياجور. وهناك بيوت كثيــرة مبنيــة باللبّن. ولنوافذ البيوت مصاريــع، تظل مفتوحة في الطقس الجيد، وتغلق عندما يكون الطقس رديئاً".
قلعة صنعاء وقصور الأمراء

ويشير نيبور إلى قلعة صنعاء والتي ضمت عدداً من القصــور الخاصــة بأمراء الأسرة الحاكمة. (القاسمية التي حكمت اليمن ابتداء من سنة (1635 وحتى 1849 ) والواقعة على تل غمدان، ويصفهــا قائلاً:


"ويسكن في المدينة في القلعة عدد من أفراد أسرة الإمام. كما يوجد فيها دار لسك النقود، وسجون، ذات حجرات مختلفة الأحجام، وفي أعلى موقع القلعة توجد جربة المدافع، أي حظيرة المدافــع، وفيها عــدد من المدافع. كمــا يوجد عدد آخر من المدافع موزعة على ثلاثة أبواب من أبواب المدينة، وهي باب اليمن، وباب السبح، وباب شعوب".
رسم في العام 1763 مدينة تعز الجبلية في لوحة بانورامية

رسم نيبور "مدينة تعز الجبلية" في 1763، في لوحة تُجسّد بانوراما المدينة وبيوتها، وكأنها جزء من الجبال العالية التي تملء سطح الصورة. يستخدم نيبور اشكال الكتل المكعبة كناية عن بيوتات المدينة، التي تبدو متراصة "تتسلق" بهيأتها الهندسية سفح الجبل لتصل إلى قمته. ونرى بوضوح سور المدينة المحيط بها، والذي تقطع بوابات المدينة المتعددة امتداداته الأفقية. يهتم نيبور في تحديد مسار الطرق المؤدية إلى بوابات مهمة في المدينة، ويؤكد وجودها عبر خطوط متعرجة عديدة تنشأ بداياتها عند تلك البوابات، لكن سرعان ما تختفي نهاياتها وراء الجبال. ويرصد الفنان بيوتاً متفرقة وأحياناً مساجد بمنائر واقعة خارج السور، لكن عددها هنا مختزل جداً. وترمز صفوف "النقاط" الصغيرة المنتشرة على سفوح الجبال في اللوحة المرسومة، إلى الأشجار الكثيفة المغطية لتلك الجبال.
حضور العمارة ببلاغة التفاصيل
في لوحة "بيت من قرية بئر العصب" حيث أقامت البعثة أثناء زيارتها لمدينة صنعاء في يوليو 1763، تحضر "العمارة" ببلاغة عبر التفاصيل، التفاصيل المتعددة والمتنوعة، التي تزين واجهات البيت السكني، ذا الشكل الهندسي المنتظم. ونستشف من طريقة التعبير الغرافيكي، بأن ثمة "ألوان" مختلفة تحفل بها عناصر الدار المعمارية، بالرغم من أن الرسمة مشغولة بالأبيض والأسود. ثمة نوافذ بأشكال متعددة، وغير تقليدية تزينّ واجهة البيت العالي ذي الطبقات الأربع. وهذه الهندسة التي ستلازم رسومات نيبور الأخرى، هي في الواقع، نتيجة خلفيته التخصصية كمساح ورسام خرائط، وهو هنا يعتمد على أدوات هندسية محددة لينقل بواسطتها ما يراه واقعياً إلى لوحات فنية.
اليمن.. سكان وقبائل ومذاهب وأديان
تنطوي جميع اللوحات المرسومة التي اشتغل عليها نيبور على ترجمة المرئي إلى أشكال هندسية، فتبدو البيوت والجبال، والآثار والطبيعة المرئية، معبراً عنها بخطوط وأشكال منتظمة، تشي بحبه وباهتمامه الكبير لاختصاصه المطبوع بالرياضيات والهندسة. وهي وثيقة هامة لنوعية العمارة وطرز أساليب تزيناتها، الشائعة في ستينات القرن الثامن عشر في عمارة بلاد اليمن وجوارها. ولقد كتب نيبور عن كل المناطق التي زارها، ورسم خرائط لها، وتحدث عن السكان والقبائل والمذاهب والأديان، وقد طالت فترة بقائه في اليمن، فزار صنعاء وبيت الفقيه وأبو عريش. ويمكن للمهتمين إجراء مقارنات أسلوبية بين ما كان في الماضي وما هو لا يزال موجوداً وحاضراً في اليمن في الوقت الراهن.
السليم الوحيد العائد من أفراد البعثة

بدأ الإعياء وعدم تكيف الأوروبيين مع المناخ (وخاصة في اليمن) فتوفي اثنان من رفقاء نيبور في اليمن: (بيتر فورسكال) و(فون هافن)، بل إن نيبور نفسه أصيب بمرض خطير، ولكنه تحامل على نفسه - بعد أن ترك بقية البعثة في اليمن- وانتقل إلى الهند، وتكيّف نيبور مع مرضه إلى أن شُفي كما يقول هو باتباع العادات الغذائية السائدة، مع العلم أن نيبور هو الشخص الوحيد الذي عاد سالماً من أفراد البعثة.
مؤلفاته
المجلد الأول: وصف الجزيرة العربية، نُشر في كوبنهاجن بلغة هولندية سنة 1772، يشتمل على وصف كامل للجزيرة العربية وأسماء مدنها وقراها في نجد والحجاز والأحساء وشبه جزيرة سيناء مع ذكر القبائل العربية والأمراء والأعيان والمذاهب الدينية السائدة، وزين نيبور هذا المجلد بعشرات الصور التي رسمها عن الزي واللباس وحتى خرائط المدن والمناطق. والمجلد الثاني: (رحلات إلى بلاد العرب وبلدان أخرى محيطة بها)، نُشر عام 1774، وقد أعاد أحد أبناء نيبور نشر هذا المجلد سنة 1837.
وأضاف إليه بعض أبحاث رفيق نيبور (فورسكال) عالم الأحياء النباتية، وهذا المجلد تم ترجمته إلى العربية بواسطة: عبير المنذر، وأصدرته دار الانتشار العربي سنة 2007 على مجلدين، في هذا الكتاب يتحدث نيبور عن اليمن والحجاز دون تفصيل ويركز على الأقاليم المحيطة في بلاد العرب مثل العراق والشام وإيران والهند.
