وصل ديفيد روبرتس إلى الإسكندريــة سنة 1838 واستقبلــه محمد علي باشا في سرايته بالإسكندرية في 16 مايو 1839 ، بعد ذلك استقل مركبا نيليا وذهب إلى القاهرة ومنهــا إلى سيناء. زار البتــراء والخليل والقدس، وأكمل رحلته وزار نابلس والناصــرة وطبريــة وغيرها، إلى أن وصل لبنان، ومن هناك سافر إلى لندن في شهــر مايو سنة 1839.
10 سنوات في نشر الرسومات
بعد رجوعه من الشرق ولمدة عشر سنين نشر 247 من رسوماته في ست مجلدات هي "مصر" و "النوبة" و "الأراضي المقدسة" و "أدوم" و "سوريا" و "الصحارى العربية" وذلك في دار نشر "إف جي موون" في لندن من 1842 و 1849.
من بين لوحاته، صوّر معالم مصر مثل "قناطر على النيل"، و"جامع الغــوري"، و"باب زويلــة"، و"مقياس النيل في جزيرة الروضة"، و"شجرة العيلة المقدسة"، و"قصر محمد علي"، و"مسلَّة في الأقصر"، ومعبد الكرنك، و"معبد ايزيس في اسوان"، و"معبد ابو سمبل"، و"منظر پانوراماي لأبو الهول والاهرامات وراءه". ورسم لوحات أخرى لـپيترا ومعبد بعلبك.
مصر .. نصيب الأسد من لوحاته
إسُتقبلَ من قبل محمد علي باشا في قصره بالإسكندرية في 16 مايو 1839. وحازت مصر في فترة محمد علي نصيب الأسد من اللوحات بدءا من جبال سيناء حتى معابد فيلة في أعالي النوبة، فقد رسم ديفيد روبرتــس كل شــيء قابله في رحلته أثنــاء تنقله، بـــدءا من جبال سيناء مرورا بمدينة السويس، والاهرامات وما يحيط بها ومنطقــة سقارة، ثم القاهرة (القديمــة الآن) بكل تفاصيلهــا من شوارع نظيفــة وأنيقة، وحركة الناس في هذه الشوارع من تنقل وتبادل تجاري وغيرها، وكذلك المساجد بمآذنهــا، وبوابات القاهرة ومقاهيها حتى كاتب الرسائل فيهــا، ومجلس محمــد علي وهو يدخــن الشيشــة مع ضيوفه الأجانب.
ثم تلا ذلك حركة تنقل السفن في النيل بكل تفاصيلها، ليرسم صورا لبولاق والجيزة وكرداسة مرورا بمنطقــة الصعيد، مثل أسيوط، وصولا الى إدفو وإسنا وكوم امبو وحتى إلى أسوان ثم النوبة، ليرسم كل ما قابله من معابد وآثار فرعونية بدقة مدهشة، كما رسم لوحات للفلاحين، ورسم تماسيح النيل في احدى اللوحات، وكذلك مقياس النيل في منطقة الروضة الذي كان يعد تحفة معمارية، ومما رسمه لوحــة كتب أسفلها "الغوازي" التي تعني ومازالت في الريف المصري الراقصة الشعبية مع عازفي الربابة.
خلط الافريقي والفرعوني
وعلى ما يبدو أن هــذا الفنان عندما جاء كان محملا بنظرته الغربية للشرق، فقد رسم في واحدة من اللوحات سوقا للعبيد يمتلئ بالرجال والنساء السود من الجنسين، كما رسم سفينة تجري في النيل وعليها ركابا سودا وكتب أسفلها "نقل العبيد"، وفضلا عن ذلك رسم نساء من النوبة مكشوفات الصدور، فقط يغطين نصفهن الأسفل بما يشبه القش، وقصات شعرهن تشبه تلك التي نراها عند نساء الفراعنة في خلط بين الافريقي والفرعوني.
وقد أرَّخ لثلاث من دول المنطقة هي.. مصر وفلسطين ولبنان، حيث نقل واقع الحياة في تلك الفترة التي تجول فيها الفنان في هذه المنطقة، لتمنح المشاهد فرصة عظيمة ليرى كيف كان الناس يعيشون بأزيائهم ووسائلهم الحياتية الأخرى، نقلها بريشة عبقرية تميزت بدقتها وابداعها.
من فلسطين كل مقدس وآثاري
أما اللوحات التي رسمها في فلسطين فقد ضمت تفاصيــل الكنائس من الداخل، ومناظر من مناطق مختلفة مثل غزة ويافا وعسقلان وأشدود، وكذلك بحيرة طبرية، كما رسم البحر الميت والبتراء ووادي عربة، باختصار قدم من فلسطين كل ما اعتبره مقدسا وآثاريا، الأمر نفسه بالنسبة للبنان، حيث ضمت اللوحات صورا للمعابد في بعلبك وغيرها. وتعكس لوحاته شغفا بالصحراء وما فيها، ومتعة عظيمة بها.
قدم روحه في لوحات تصور عظمة مصر القرن 19
ولد عام 1796 في ستوك بريدج بالقرب من أدنبرة في بيئة بالغة التواضع، وقضى طفولته في فقر مدقع، لكن ذلك لم يمنعه من أن يطور وعيه بالفن. وجاءت لوحاته التي رسمها في القرن التاسع عشر لتجسد الفن الفكتوري بكل ملامحه، وهو الرجل الفنان الذي عشق مصر، وقدم روحه في لوحات تصور عظمة هذا البلد وثراءه وعمقه وحضارته، لأنه قد ولع برسم الطبيعة.
وتحتوي لوحاته على مشهد عظيم لوالي مصر محمد علي جالسا يحيط به وقوفا الكتب ورجال الدولة والخدم، بيما يدخن الشيشة أو النارجيلة، ويجلس أمامه من بعيد ديفيد روبرتس واثنان من الأوروبيين في لقاء استغرق عشرين دقيقة، رسمه روبرتس من الذاكرة، حيث لم يكن معه قلم أو كراسة للرسم. إنه فنان بالفطرة، علم نفسه أصول الرسم، ولم يتلق توجيها إلا من مصمم ديكور مناكف.. عصبي وسلطوي، تم اقتراح اسمه على عائلته ذات الأصول المتواضعة، وهو جافين بيوجو.
في يوم من الأيـام أعطي روبرتس جنيها لكي يدفعه بالنيابة عنه لأحد التجار، فقام برسم الجنيه طبق الأصل. عثرت الأم على الجنيه المزيف، فأصابها الرعب من أنها قد ربَّت لصا إلى أن اكتشفت موهبته الأصيلــة.
عاد من مصر ومعه أكثر من 100 لوحة، وذهب إلى البتراء، فأنتج هناك 14 لوحة ثم اتجه إلى فلسطين.
القدس .. مصدر الهام إلى لوحاته
لا شــك أن مدينة القدس تشكل في تاريخها ومكانتها المقدسة والأحداث التي مرت عليها ونمط عمرانها وهندستها، مصدر إلهام للمبدعين والفنانيــن في الشرق والغرب، وخصوصاً الفنانين التشكيلييـن الذيــن أفادوا من ألوانهــا وعماراتها وفنونهــا كمفردات وموضوعات للوحاتهم، مثل الرحالة والرســام البريطانــي "ديفيد روبرتس"،
رسم بالألوان المائية الكنائس والأديرة والمسجد الأقصى وقبة الصخرة، ومسجد عمر بالقدس، والمغطس والبحر الميت، وقبر سيدنا يوسف، وكنيسة القيامة بالقدس، ونبــع العذراء بالناصرة، وغير ذلك من الأماكن الأثرية والمواقع السياحية المرتبطــة بسير الأنبياء، وسجل خلال ذلك البيئة المحيطة في فصولها المختلفة، والأشجار المحيطة بها ووسائل النقل آنذاك، وأزياء أبناء المنطقة، وملامح معاشهم اليومي.
لوحاته جعلته من المستشرقين البارزين
اشتهر بمجموعة لوحاته التوثيقية عن مصر أنتجها خلال فترة أربعينات القرن التاسع عشر ديفيد روبرتس، رسام اسكتلندي ولد في أدنبرة، إسكتلندا في 24 أكتوبر 1796وتوفي في 25 نوفمبر 1865. اشتهر بمجموعة لوحاته التوثيقية عن مصر وبلدان في الشرق الأدني، أنتجها خلال فترة أربعينات القرن التاسع عشر من اسكتشات صنعها خلال رحلاته في المنطقة (1838 - 1840).
حيث دارت تلك الأعمال إضافة لمجموعة لوحاته الزيتية الأخرى؛ حول موضوع متشابه، جاعلة منه من المستشرقين البارزين. انتخب كأكاديمي ملكي في 1841 في الأكاديمية الملكية البريطانية للفنون، أبحر إلي مصر في 31 أغسطس 1831، بنية الحصول علي تصميمات أو إسكتشات لكي يعود بها ويحولها إلي أعمال زيتية، وكانت مصر في بؤرة الأحداث في ذلك الوقت، وكان الرحالة وجامعو التحف ومقتنوها ومحبو الآثار يتواجدون بها، إما لمشاهدتها أو لشرائها والحصول عليها.
وصل روبرتس إلي مصر حيث قام بجولة طويلة في مصر وبلاد النوبة وسيناء والأراضي المقدسة والأردن ولبنان، وصنع مجموعة من التصاميم الأولية للوحاته في تلك الفترة. ارتبطت أعماله بمصر القرن التاسع عشر، وهو أحد أهم إصدارات دار نشر الجامعة الأميركية، أعد النص فابيو بوربون، وهو كاتب ذو خلفية كلاسيكية متخصص في تاريخ الحضارات. أما الصور فتعود إلي أنطونيو أتيني.








