يروي الرحالة الألماني كارل رسوان «الرضوان» في كتابه «الخيام السود» قصة إقامته لمدة قاربت 25 عاماً بين البدو، وهم من يتحملون على فطرتهم بجلد وصبر الفقر والجوع والظمأ والتعب والراحة وكثرة المشي أو قلته بنفس واحدة من دون تبرم أو عجز.
أقام بين (الرولة) وهي القبيلة التي توزعت منازلها بين الجوف في السعودية، والمفرق والأزرق في الأردن وحمص وحلب بسوريا، ثم انتشرت بطونها حتى الهلال الخصيب وأعالي الفرات، كما هي قبيلة الشعلان في الأردن وسوريا، حيث يوجد قبر نوري الشعلان في دمشق في الصالحية، وأطلق على الحي الذي فيه منزله اسم حي الشعلان.
ربع قرن برفقة البدو
عشق كارل رسوان الصحراء، واحتمل ظروفها القاسية وشارك البدو غزواتهم وهجراتهم، فروى كيف ارتحل ثلاثون ألف بدوي ومئات الخيام وآلاف الجمال بحثاً عن الماء والمرعى في بدايات القرن وقبل الحرب العالمية الأولى 1919 في بدايات رحلته.
فما الذي أتى به، وجعله يمضي ربع قرن في الصحراء مرافقاً للبدو في حلهم وترحالهم، وكيف يصور الانثى البدوية والحب والصراع بين الرولة وبني صخر، وما هي قصة «الفرس» الأعز من الزوجة، ولأجلها قامت الحروب وسفكت دماء!
الحيوان النبيل هدف رسوان
يوضح رسوان أن اختلاطه وإقامته بين البدو لنحو ربع قرن في ترحالهم وفروسيتهم وغزواتهم لم يكن بمطمح علمي، بل كان الحصان العربي هو (حجر المغناطيس)، الذي جذبه ليروي قصة هؤلاء الرعاة الرحل، والغزاة الفرسان ويتحدث عن خبراته بينهم. كان هيام رسوان، جارفاً بهذا الحيوان النبيل (الحصان) فعمل جهده لملاقاته في مراعيه الأصلية ليتعلم تاريخه، وأسرار توليده، وكان الاهتمام الثانوي لرسوان الاطلاع على تحركات القبائل البدوية في منطقة الجزيرة العربية.
فارس ذو القلب القوي الرقيق
ويبدو أن نجاح رسوان في تكوين علاقات وثيقة مع البدو يعود إلى نقطتي ارتكاز هما (المرأة والسياسة)، فقد حرص على الالتــزام بكل عادات البدو فيما يتعلق بالنساء، وأحجم عن التدخل في شؤونهم السياسية إلا حين يطلب منه رأي.
فقد غادر رسوان الجزيرة العربية، وهو في التاسعة عشرة من عمره في رحلته الأولى، وفي 1926 عاوده الحنين إلى البدو وكان في نيويورك، فأتى إلى دمشق ورافقه (بدوي شمّري شاب اسمه فارس) لكي يقوم برحلته، ويصفه رسوان بقوله:«تحت عباءته ينبض قلب قوي ورقيق، يجعلني اعترف بأنني لم أصادف مثيلاً له بين البشر، وحتى آخر رمق بقي فارس أخلص صديق عرفته».
كمين غادر وإصابات قاتلة
ولقد هاجمهم البدو في كمين، فاصابوا عبدالكريم صديق فارس في أحشائه، ويصف كارل اللحظات الحزينة حين طلب عبدالكريم من خادمه أن يطلق النار على رأسه، لأنه أدرك حتمية النهاية، وتلي ذلك معركة أخرى، يصيب فيها البدو المهاجمون فارس في ساقه اليمنى، ويعرض عليه كارل اصطحابه إلى دمشق حيث يوجد عدد من الجراحين الفرنسيين، فيهز رأسه بالنفي ويطلب من كارل أن يأخذه إلى (تويما) ويقول:
''إذا ذهبنا الآن سيمد الله في عمري . لكي أرى تويما وأتزوجها''.
فتنيخ تويما جملها أمام قسم النساء الذي تم ترتيبه، لكي يرى فارس كل شيء من على مضجعه ''لأنه مصاب''.
وتأتي أم فارس وأخوته وعدد كبير من العبيد واستقبلن العروس بالمراسم المعتادة، وتقدم بدوي عجوز وبين ذراعيه حمل صغير، لا يزيد عمره على الأسبوع، فوضع الحمل عند قدمي الفرس وذبحه كضحية بهذه المناسبة، وغمس أصابعه بدم الحمل..!.
وقفزت ''تويما'' بخـفة على ظهر الفرس البيضاء التي مشت بخطى وئيدة في كل المخيم.. وحياها الجميع بالرغم من أن قلوبهم كانت مثقلة بالحزن.. وفي تلك الليلة مات فارس. مما يرويه كارل رسوان في قصة (تويما) وتفاصيل زواجها لليلة واحـدة وعلاقتها بفارس، نكتشف أن ''القبيلة'' تعترف بالحب ولا تجرمه أو تحرمه، فهو معلن وليس مستنكراً.
تويما.. الراعية الجميلة
يصف رسوان رحلته مع فارس مغادراً دمشق إلى ''الحماد''، المرتفعات الشمالية من الجزيرة العربية؛ التي تمتد إلى ما لا نهاية، ولقاءهما براعية بدوية في السادسة عشرة من عمرها ''جميلة'' للغايـة، رشيقة مثل كل النســاء البدويات، وطلبت منهما بعدما أعطت كارل غصناً جافاً أن يقسما أنه لن ينالها أي سوء.
تلك الفتــاة هي ''تويما'' بقامتها الجميلة المديــدة، ويورد كارل اسمها عدة مــرات في الكتاب، ويخصص لها فصلاً بعنوان ''الراعية الوحيــدة'' أو كما يسميها فارس (صباح) بمعنى العروس البكر. وينتهي الفصل الثالث من الخيام السود بوداع ''تويما'' لحبيبها فارس وهو يقول لها ''يشهد الله أن حبك منذ الآن سيكون رفيق قلبي الدائم''. في الفصل الخامس المعنون بـ ''حب في الصحراء'' وفي الفصل العشرين المعنون بـ ''الغشاوة في عيني'' يعود رسوان إلى قصة حب تويما وفارس، فيروي كيف أن فارس الشمري آثر أن يمضي إلى حبيبته (تويما) التي عشقها فعشقته، ليتزوجا لليلة واحدة فقط على الذهاب لعلاج جراحه القاتلة.
عشق الحصان العربي
شغف كارل بالحصان العربي، جعله يفرد فصلاً خاصاً له في نهاية الكتاب.. ويقول: خلق الله الإنسان الأول من الطين، ولكنه خلق الحصان من الريح (مثل عربي). ويوضح كارل الأسباب التي حدت به لإضافة هذا الملحق عن العربي وحصانه بقوله: يجب بالضرورة، نظراً لتشعب الموضوع وطوله، أن يتخذ إلى حد ما، شكل الملاحظات المتناثرة، ولكن المؤلف يأمل أن تكون مفيدة لعشاق الخيول.
ويقول رسوان بأن الشيخ رفض أن يبيع الحصان الصقلاوي - عمره سنتان ومن أنقى السلالات إلى سلاح الفرسان الفرنسي بمبلغ ثمانمئة ليرة ذهبية، فعرض على كاتب الشيخ ألف ليرة ذهبية، إضافة للهدايا للكاتب والعبد الذي ربى الحصان، وحين أتى يوم رحيله جاءه الشيخ وتبادلا بعض عبارات الوداع الرسمية، ثم انتحى به جانباً عند أقصى وتد من أوتاد الخيمة وقال: لاحظت منذ مدة أنك أحببت المهر الصقلاوي، إنه أفضل حصان في سلالتنا، وإنني لسعيد أن أقدّمه هدية لك حتى تتذكر صداقتنا وخيولنا النبيلة، خذ معك الحصان ولا تذكر أية كلمة شكر أو ثمن حتى تعيش هذه الذكرى صافية في قلوبنا.
ويقدم له الشيخ وثيقة بتسلسل نسب الحصان.
ويبارك الشيخ الحصان فيقبل وجنتيه ويعود أدراجه إلى خيامه، بينما ينشغل رسوان بشحن المهر من دير الزور إلى مصر عن طريق حلب وبيروت.










