لا تزال رحلات القرن السادس عشر بعيدةً عن متناول اليد، باستثناء حالات نادرة منها رحلة الهولندي ليونارد راوولف 1535 - 1596 هو أول رحالة زار كركوك والمناطق المحيطة بها في نهاية عام 1574، وفي عام1693 طبع ونشر باللغة الإنجليزية ما دونه خلال زيارته للمنطقة، ومن جهته قام الكاتب والباحث العربي سليم طه التكريتي بترجمة نص الكتاب إلى اللغة العربية.
في عام 1978 تم طــبع ونشــر الكتاب باللـغة العربية تحـــت اسم (رحلة المشرق إلى العراق وسوريا وفلسطين). وبخصوص ما جاء في الكتاب حول كركوك والكرد يقول المؤلف:
"في يوم 16من ديسمبر عام 1574 توجهنا من بغداد إلى كركوك، حيث استغرقت رحلتنا ستة أيام بمحاذاة حدود منطقة ميديا. فقــد بدأنا مسيرنا من الطرف الآخر لنهر دجلة حتى وصلنا قلعة (ثكنة) عسكرية محمية تابعة لتركيا، كانــت واقعــة في أراضي الكرد بالقرب من منطقة داقوق، من هنا سرنا بطول نهر دجلة ما بين (ماد ـ ميديا) وبمحاذاة النهرين أيضاً حتى وصلنا أرمينيا.
كان الكرد في تلك المناطــق يتكلمــون بلغة خاصة بهم، وكان رفاقـي الذين صاحبوني في الرحلة لم يفهموا لغتهم، وكذلك من جهتــم لا يعرف الكرد التحدث باللغتين الفارسيــة والتركـية لكي يكونوا مترجمين لنا أثناء مرورنا عبر أراضي الكرد.
راوولف يصــف في كتاباته مدينة كركوك بالمدينــة الجميلة والخلابة (شارزور).
ولع الرحالة بالنباتات
وكنت اغتنم الفرصة حين نزولنا إلى اليابسة فأروح أفتــش عن النباتــات الغريبة في المكــان. ولقد عثرت على أنواع خاصــة من نبتة "الأزهــار المحززة" وهي تشبــه النوع المعروف منه في بلادنــا، لكن ليس لها ميزاته، ونوعاً من شجر العجــرم من فصيلة ذكرها المؤرخ كلوفيــوس وهـــو ذو أوراق سميكة تشبـــه شجرة "الودنة" فضلاً عن "السذاب" ونوعاً غريباً من الصفصاف يسميــه السكــان باسمه القديم هو "الغرب"، إضافــة إلى "الطرفاء" وهي ذات أحجام كبيــرة وعاليــة تشبه أشجار التوت والنخيـــل، ويمكن مشاهدتها من بعيد لضخامتها وارتفاعهــا، وهي تشبه الطرفاء في بلادنا لكنها أكثر ضخامة وارتفـاعاً، أوراقها طريــة ذات رؤوس وردية الألوان.
العرب يصيبون وجبة واحدة ويتمتعون بصحة جيدة
والعرب في الغالب يطعمون مواشيهم من الأدغال التي تنمو على ضفاف النهر، ذلك لأنه لا يوجد في الفيافي والصحارى، حين تكون الأرض رملية هشة وقاحلة، سوى القليل من الأعشاب أو الزرع، مما يجعل الخبز نادراً بين سكانها فلا يرون منه شيئاً لمدة طويلة، حيث يضطرون إلى تناول أطعمة أخرى كالسمك والجبنة واللبن والودك، من دون أن يستعملوا الخبز معها. فهؤلاء الفقراء لا يصيبون سوى وجبة بسيطة من الغذاء، ومع ذلك فهم أقوياء وفي صحة جيدة ويقضون أعماراً جيدة.
وفي المساء وقبل أن يسدل الظلام سدوله، شاهدت على الجانب الآخر من أرض الرافدين، حصناً يقوم على تل مرتفع يدعونه "تبيل" يعود إلى أحد الأمراء العرب، وهو حصين وواسع جداً تقوم على أسواره عدة أبراج، شبيه بقلعة حلب، كما لاحظت ذلك عن بعد.
الخيول العربية أصيلة ونظيفة
وتحدث الرحالة عن الخيول فقال: "ولما كانت خيول الأعراب أصيلة ونظيفة ومناسبة للركوب، فإنــه يندر أن يطعموها أكثر من مرة واحدة في اليوم، ولو أنهم يمكثون على ظهورها طيلة يوم كامل، ويقطعون بها مسافات طويلة من الأرض الخلاء. والمعتاد أن يجزوا الشعر من أطرافها وذيولها فتغدو ذيولها تلك أشبه بذيــل الأسد. وهم يركبون الإبل مع أطفالهم، إذ يجتمــع كل ثلاثة أو أربعة منهم سوية في هودج، كمــا هو مألوف في بلادنــا الأوروبية، وهم سمر الألوان".
بادية العراق وسوريا
يقدم الرحالة وصفاً دقيقاً للمناطق والمدن التي يمر بها، وهو يقول:
"مرت الليلة التاسعة من رحلتنا في مرح، وقد أصبحنا على مقربة تامة من مدينة "الرقة" التي تتبع للسلطان العثماني. غير أن فرحتنــا لم تدم طويلاً.
فقبــل أن نتناول الطعام وبعض الفواكه من أمثال الزبيب والتين والبطيخ لنبرد به غلتنا إزاء وهج الحر الشديد، تعرضنا مرة أخرى لخطر أكبر من الخطر الذي أصابنا قبلاً، ذلك أن سفينتنا وهي الكبرى، ما لبثت أن شهلت فرست على الرمل، ولم نستطع إعادتها إلى الماء، وتسييرها في الاتجاه الصحيح من دون مساعدة الآخرين، وإذ ذاك اضطررنا إلى الاستعانــة بالأعراب، ولما كان هؤلاء يحملون خناجرهم وهراواتهم فلم نطمئن إليهم، وأبقيــنا قوة من الحرس داخل السفينة.
بينما راحــت بقيتنا تحاول دفع السفينــة وتحريكهــا، وإذ لم نستطع ذلك، حاولنا إفــراغ السفينــة من حمولتها وسحبها إلى المــاء، لكننا وجدنا في مثل هذا الاقتراح مغامرة بالبضاعة التي نملكها، ولذلك استقر الرأي بيننا على أن نسحــب السفينة إلى مجرى آخر، وإذ سألنا الأعراب مساعدتنا ووجدناهم جادين فيها ووعدناهــم بمكافـــأة طيبة، على أن يتركوا أسلحتهم جانباً، تخلوا عــن تلك الأسلحة وأقبلوا علينا وعندئذ استدعينا الحرس الذين أبقيناهم في السفينة لمشاركتنا، وبعد جهد نجحنا في إيصال السفينة إلى الماء العميق، ودفعنا إلى الأعراب ما وعدناهم به من مكافأة، وواصلنا مسيرتنا في تلك الليلة إلى مدينة الرقة.
مدينة حديثة العراقية
وصل الرحالــة ليونهارد راوولف إلى حديثة مارا بعانة عن طريــق نهر الفرات في 1573 قائلاً: "وصلنا حديثة وهي مدينة جديدة وكبيرة، قديمة البناء، تخضع لشيخ البادية الأمير أبو ريشة الطائي، ويقسمها نهر الفرات إلى قسمين، يقع القسم الأكبر منها على الجهة اليمنى من النهر".
كان الوالي العثماني المصلح مدحت باشا والي بغداد 1869 1872 م له اهتمام بتطهير نهر الفرات لسير المراكب والسفن، وكان في النهر عوارض وعقبات نظراً لوجود الأبنية القديمة والكرود والنواعير، فذهب مدحت باشا بنفسه، وعلم أنها قابلــة للإصلاح والتعمير، وكون شكل إدارة عامة لتسير السفن في نهري دجلة والفرات لأغراض النقل والتجارة.
قريباً من النهر مجموعة من مزارات ذات قباب تشبه قبة الست زبيدة في بغداد، وبعد مغادرتنا الحديثة قطعنا وادي حقلان، وفي هذا الـــوادي توجد عين مالحة، وقبالتها شاهدنا بقايا قلعة في جزيرة "ابو سعيد" ولم يبــق منها تيار الماء الجارف إلاّ القليل، وفي جنوبها جزيرة أخرى كثيفة النخيل هي جزيرة ربان.
بقايا عاصفة المغول
يذكر الرحالة راوولف في رحلة الشرق ـ عندما زار الموصل في القرن السادس عشر، بعد انتهاء العاصفة المغولية وقيام العثمانيين بضم البلاد إلى إمبراطوريتهم خلال 1514 ـ 1536، فيذكر الكثير من تاريخها المأساوي، مشيراً إلى أن تيمورلنك كان قد أحرق المدينة، وحولها إلى رماد، مؤكداً بأن الأعشاب نمت فوق خرائبها بعد فترة قصيرة. كانت المذابح التي ارتكبها تيمورلنك ضد أبناء كنيسة المشرق في تبريز وسلامس واورمية، والمنطقة الممتدة من بحيرة اورمية شرقاً وحتى حدود بلاد تياري وحكاري غرباً، كبيرة جداً، وكان غالبية سكانها آشوريين من أتباع الكنيسة الشرقية.
إبادة تيمورلنك الجماعية
بالإضافة إلى ما قام به تيمورلنك من أعمال الإبادة الجماعية للبشرية، والتي كان للمسيحيين منها النصيب الأكبر، وبهذه السطوة والقوة فقد أثر على الخارطة الدينية والمذهبية في منطقة الشرق الأوسط عموماً.
ويؤكد المؤرخون عن مدى تأثير حملاته على وجود كنيسة المشرق والمنتمين لها، وأضعف تلك الكنيسة الممتدة من مناطق ما وراء النهر. وكانت هناك مساحات شاسعة من الأراضي متروكة، وقرى خالية من البشر ومدمره بالكامل، فعلى سبيل المثال في عام 1393 قام بتدمير تكريت وأربيل والموصل واورهاي وماردين وديار بكر، وبقية المدن المسيحية الأخرى.








