رحلته مشوقة، باعثة على الأمل في رؤية شيء مغاير جديد، قرر أن يطلق روحه الميالة إلى الشرق في 1849. كان يحلم بالقاهرة، هذه المدينة التي سحرته قبل أن يراها، لكنه تعرف عليها من خلال الكتب والمخطوطات. وفي يوم من الأيام قرر "غوستاف فلوبير" أن يغادر ثلوج باريس إلى شمس القاهرة. فهو يعرف حق المعرفة، وهو الكاتب الكبير، ومؤلف الرواية الفذة "البحث عن الزمن الضائع"، أن القاهرة هي مركز اللغة والحضارة العربيتين.

 ورحلات من النوع التي يقوم بها "فلوبير" ليست مثل رحلات بعض الأدباء الذين يكتبون عن مدن، تتم دعوتهم لها، فيجدون كل شيء متاح ومتوفر ومريح. فهذه ليست رحلة لأن عنصر المغامرة مفقود فيها، ومن هنا تنبع الحرارة التي تفتقدها مثل هذه الرحلات. لم يكن "فلوبير" يستغني عن دفاتره العديدة التي ستصبح صفحاتها البيضاء سوداء من اكتظاظ الحروف الكثيرة فيها. وهو يعتقد أن نهر النيل لو تحوّل إلى حبر لما كان كافياً لاستخدامه في الكتابة عن القاهرة التي تعج بالحياة، وتنبض بها ليل نهار من دون توقف، لكي يسّطر تجاربه ومشاهداته.

 

"فلوبير" انبهر بالقاهرة لذلك ألف عنها ثلاثة مجلدات، وحتى عودته كان يغمض عينيه من كثرة تشبعهما بالنور الفياض للشمس الساطعة، التي لم ير مثلها في سماء باريس.

السفر إلى بوابة الشرق على أجنحة طائر

سافر "فلوبير" مع صديقه "مكسيم دي كوم" الذي شاركه الرحلة التي استغرقت سنة ونيفا (1849ـ1850) وكان "فلوبير" أثناءها شابا لم يبلغ الثلاثين بعد. كتابه "رحلة إلى الشرق" وثق أحداثا ومغامرات وتنقلات وأمكنة، تمتزج بها الروح والحالة النفسية. ونحن نقرأ كتاب "فلوبير"، نشعر بأننا نسافر على أجنحة طائر له عينا صقر ساحرتين، وثاقبتي النظر، ومن شدة الانفعال إزاء ما يراه لا نمتلك إلا الانفعال أيضاً مع ما نقرأ وما يواجهه هذا الرحالة من الطراز الرفيع. نبضات الرومانسية تتطاير من النص، وكأننا أمام قلب ينبض بالأحلام والتصورات عن شرق بعيد صار قريباً.

تنطلق رحلة "فلوبير" من مصر فلبنان وفلسطين ثم تركيا، ويختمها باليونان وصولا إلى إيطاليا. على أنّ مصر هي التي خصها بالقسم الأكبر مما كتب، وبالنصيب الأوفر من الحب حتى وصفها لأمه بأنها "بوابة الشرق". وفي الكتاب مقاطع وصفية للناس والمعمار والخانات والنيل والإبداع تنبئ بقرب ولادة "فلوبير" الروائي الفذّ، فلم تتفجر بعد عبقريته، وربما كانت رحلته إلى الشرق سبباً في انضاج رؤيته الابداعية. وكثيرون يقولون أنه لم يكن يكتب روايته "مدام بوفاري" لولا هذه الرحلة التي جعلته يرى أصنافا متعددة من البشر ويرى المرأة، بوجوه مختلفة.

في وجوه لها مختلفة. نقرأ له في وصف النيل قوله "ماء النيل فاقع الصفرة. إنه يجري شاقا أراضي كثيرة. ويبدو لي أنه يصل إلى مصر وقد تعب كثيرا لكثرة ما مرّ به من بلدان، فيتخايل إليّ أنني أسمع تذمره الهامس المتكرر من السفر". ويتحدث عن وصوله إلى تمثال أبي الهول وكيف أخذه الحماس لدى رؤيته، فجرى يحضّ فرسه على الركض بكل سرعة، وكأنه يخشى أن يهرب التمثال الأسطوري منه: "نظر إلينا أبو الهول بعينين مرعبتين. امتقع وجه مكسيم خوفا، وخشيت أن ينفصل عني رأسي وحاولت قدر جهدي أن أسيطر على اضطرابي. ثم جرينا بكل قوة نكاد نطير جنونا وسط الصخور الجلاميد".

تجربة الترحال لم تكن بعيدة عن تجربة الكتابة

بالإضافة إلى فنون الكتابة في ميدان الرحلة، فقد كتب "فلوبير" رسائل عديدة يروي فيها رحلته الشهيرة إلى مصر. والصورة الانبهارية كانت واضحة في كتابته للرحلة، مثلما يكتب: "في الشرق ورماله الساحقة، قصوره التي تحتشد بالجِمال ذات الأجراس المدويّة". كذلك بدا مقتنعاً بأنه رأى "الأمواج الزرقاء، السماء الصافية (...) وبعض النساء ذوات البشرة السمراء والنظرات المضطرمة التي كانت تتكلم (ربما معه) لغة الحوريات". بالتأكيد لم يكن "غوستاف فلوبير" الوحيد، الذي سحره سراب الشرق هذا. إذ منذ حملة بونابرت الشهيرة، أصبحت ضفاف النيل حاضرة بقوة في المتخيل الغربي.

 استسلام للصحراء والشمس والظمأ

 

لا غرابة عمن هو بمثل طبع فلوبير الشغوف بالنساء المميزات أن يصرخ بعبارته الشهيرة:(آه, كم أنا على استعداد للتخلي عن كل نساء العالم مقابل الحصول على مومياء كليوباترا "فلوبير" ابن الطبقة البرجوازية بامتياز، طوله نحو ستة أقدام، قوي العضلات أشقر، عيناه سوداوان واسعتان إلى حد أن النساء كما روج عن نفسه في مصر كن يلقين عليه اللوم دوما لإخفائه جماله بشاربه الضخم الشهير.

قالت عنه إحدى قريباته ذات مرة:( انه لم يعرف إلا ولعا واحدا؛ هو ولعه بعمله، أما كل ما بقي فلم ير فيه إلا ترويحا عن النفس).

 

على إثر المرض العصبي الذي ألم "بفلوبير" أرشده أبــوه الطبيب إلى الأسفار الطويلة فأذعن الابن للنصح وقام برحلة إلى كورسيكا والسفرة الثانية كانت إلى ايطاليا، وحين تأكد له بأن الهواء الطلـق والغـربة والمسافة تساعد ذهنه، وتنعــش ملكاته الأدبية هكذا وهو في الثامـنة والعشرين من عمره، قام برحلة طـويلة إلى الشرق استمرت عامين في 15 نـوفمبر وصل إلى الاسكندرية فاجتاز النيل حتى شلاله الثاني، واستسلم للصحراء وإلى الشمس، وحتى إلى الظمأ ثم اتجه إلى سورية وزار لبنان والجليل في غمرة القيظ ثم سافر إلى استنبول في نوفمبر سنة 1850 فأقام فيها شهرا، ومضى إلى اليونان واستقر فـيها حـتى شـباط سنة 1851 واستأنف رحلته إلى روما وبعدها عاد إلى بلده نورمانديا، وهـو فـي حالة من النشاط جعلته في عام 1858 يعاود رحلة أخرى صوب الشمس إلى تونس مفتشا عن بقايا قرطاجة، ومن وحي تلك الرحلة كتب روايته (سالامبو) قراءاته المبكرة لأسفار "لوردبايرون" وكتاب "فيـكتور هـوغو" ( الشرق وألف ليلة وليلة) جعل كتاباته المبكرة تعج بشوق إلى الشرق، وقبل أن يزور مصر كان قد ثقف نفسه بالديانات الشرقية وقـرأ هـيرودوتس بتمعن وتأن.

 

 

سيرة

 

ولد غوستاف فلوبير يوم 12 ديسمبر عام 1821 في مدينة روان الفرنسية، لأب يعمل طبيباً. والتحق بالمدرسة متأخرا حيث تجاوز عمره العاشرة، وكان ذلك سببا في نزعة الخجل التي لازمته. ألف عدة مسرحيات وقام بتمثيل دور البطولة فيها مع أخته "ببيتهم"، لكن هذه المسرحيات لم تعجبه، فبدأ بكتابة القصص والموضوعات غير التمثيلية مثل "الشهوة والفضيلة" و"رقصة الموت" و"النزع" و"مذكرات مجنون". وكتب عدة أبحاث ومقالات عن "روما والقياصرة" و "أدب رابليه" و "جنازة الطبيب ماتوران" و "أدب الشاعر كورني".

لم يلبث "فلوبير" أن ضاق بالقانون والجامعة وباريس، صمم على أن يحترف الأدب، وانكب على قراءة كتاب "دون كيشوت" لـ "سرفانتس"، وقد صار هذا الكتاب المنبع الأول لفلسفته، وتحت تأثيرها كتب عددا من المسرحيات والروايات التي تدور حول الجوانب القاتمة من الحياة.

بعد وفاة والده في عام 1845 وأخته الوحيدة "كارولين" التي كان يحبها حبا جما، انتقل إلى الضيعة التي اشتراها والده على ضفة نهر السين تدعى "كرواسيه"، وظل هناك حتى نهاية حياته. مرت الأعوام وتزوجت ابنة أخته "كارولين" التي كانت تعيش مع أمه ومعه في البيت، ثم رحلت أمه عام 1872 فغادر ضيعته إلى باريس التي عاش فيها العزلة نفسها. في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم 8 مايو عام 1880 دخلت عليه الخادمة حجرة مكتبه كي تقدم إليه الطعام، فوجدته ملقى على الأريكة يتمتم بكلمات متقطعة غير مفهومة، فسارعت إلى إحضار الطبيب الذي لم يستطع أن يفعل شيئا، وبعد أقل من ساعة لفظ آخر أنفاسه.