بيير لوتي كاتب ورحالة فرنسي ولد سنة 1850 ميلادي وتُوفيّ سنة 1923 . يعد من الكتاب الذين وصفوا الصحراء العربية من خلال رحلة قام بها سنة 1894 ميلادي. يصف لوتي جلسة ليلية قضاها مع البدو في الصحراء فيقول: (عندما حل ليل النجوم حافظت الرمال على لونها الأصهب ذي النعومة الرائعة، والذي كانت الإبل والأحراش تشكل فوقه باقات من البقع القاتمة، وجلس البدو الذين كانوا بصحبتنا في حلقة حول نيرانهم، وتصاعدت ألسنة اللهب المضيئة، والدخان الأبيض المثقل بالعطور؛ يتصاعد نحو القبة الزرقاء المسودة حيث كان يمر ضياء الأبراج مائلاً، وحيث تلألأ مجاميع الكواكب كما لو أنها تقترب من الأرض، أو تتجلى من خلال مرايا مكبرة.. عند ذلك شرعت القرب (الربابة) بالعويل، وصدر الصوت المبحوح للمجموعة محبوساً خافتاً، إنها موسيقى لا عمر لها كتلك التي كان يؤديها حتماً الرعاة البدائيون هنا، والتي كانت ترتعش مترددة واهنة في صمت كبير).
وجوه تحت شبكات المحار
عن نساء البدو يكتب لوتي هذا الوصف الجميل: (كن ثلاث بدويات يجلسن القرفصاء فوق الحمير. يجتزن المعسكر، وهن يضحكن، وعندما يرفعن أوشحتهن الزرق الغامقة التي انتشرت قطرات المطر عليها.. وذلك لرؤيتنا على نحو أفضل، وكانت وجوههن متوارية تحت شبكات من المحار والفضة، وتلك الشبكات التي كانت تتدلى لامعة فوق رقابهن).
كتب لوتي العديد من الروايات نقل فيها وقائع من الحياة التي عاشها. وما الطابع الشرقي الغرائبي الذي يسيطر على حكاياته سوى وسيلة ليخفي الحنين الذي كان يشعر به في أسفاره، وليغطي شعوره بأن الأشياء لحظية لا تدوم، وخوفه من الموت والوحدة التي لا يستطيع حتى الحب أن يتغلب عليها. أما قصص الحب في روايات لوتي، فغالباً مستحيلة بسبب الاختلاف بين الثقافات، وفيها نجد البطل يبحث دائماً عن امرأة تركها، حتى إذا ما عاد إلى الأماكن التي كانت فيها وجدها ميتة. فهذا هو موضوع روايته "أزياديه". ففي مدينة إسطنبول القديمة يتخذ بطل الرواية، البحار الوسيم لقب "عارف أفندي" للتقرب من الفتاة التركية المسلمة التي أحبها وفقدها. وهذا ما يبرر قول لوتي يوماً إن "روحه نصفها عربي".
الهدوء والدعة في بلاد الشرق
كذلك نجد في أعماله قصص البحر ومغامرات السفر، والتوق إلى البعيد هرباً من الحضارة الغربية وتعاسته في أحضانها. وإن كانت أغلب هذه الأعمال تدور في أجواء شرقية، فذلك للتعبير عن السحر الذي كانت تولّده لدى الكاتب أجواء الهدوء والدعة في بلاد الشرق. لقد كان لوتي يشعر بالقلق من تأثيرات الحداثة المُفسدة التي تحملها حضارته، حتى يمكن القول إنه أدى دوراً في تغيير نظرة الغربيين إلى ثقافة الشرق.
يتأمل منظر البحر الذي يحثه على السفر "كنا نمكث كثيراً الواحد تلو الآخر، ننظر إلى بعض... كان لدي حدس كبير أن البحر سينجح في أن يأخذني إليه". أصبح "جوليان فيو" بحاراً مثل الكثير من سكان المدينة، ومن ثم أصبح قبطاناً مثلما كان أسرته البرجوازية تتمنى له. هجر جوليان منزل طفولته حيث ذكرياته الغالية: الغرفة الحمراء التي تكسو جدرانها صور العائلة و"ومتحفه الصغير في أقصى سقف المنزل حيث يجمع الأصداف والأحلام. ترك خلفه كذلك مرارة عائلية، فقد اضطرت أمه وخالته إثر أزمة مالية الاكتفاء بغرف قليلة تطل على بهو داخلي. وفي بقية أجنحة البيت ثمة خطوات غرباء لم تفلح في طرد صدى خطوات الأخ غوستاف العائد من "بولينيزي" قبل أن ينطفئ في "كوشنشين".
من إفريقيا إلى ضفاف البوسفور
جال غوستاف العالم بكامله من إفريقيا إلى ضفاف البوسفور، ومن الشرق إلى تاهيتي، فضاءات عجيبة ومدهشة لشاب ريفي، محب للتغيير والغرائبية.
كان جوليان يوثق ملاحظاته وأحاسيسه على ضوء شمعة مهتزة بأسلوب حي وحساس، يصف المناظر ويحكي المغامرات. وفي آخر المطاف، يعود إلى "روشفورد" التي قال عنها: "هذا المكان من العالم الذي أضل وفيا له طوال حياتي". طوال حياته كان يرحل ليعود بحالة أفضل. وقد كتب في مذكراته "لدي حنين لهذا المكان وللأمكنة الأخرى".
في هدوء روشفور وصمت شتائه الندي، تحولت ملاحظات رحلاته ودفاتره إلى صفحات روائية، كما مغامراته إلى شعر، ولقاءاته إلى شخصيات. وتحول بذلك جوليان فيو إلى بيير لوتي الكاتب الذائع الصيت. "ازيادي" زواج لوتي، رواية فارس تركي، صيادو ايسلندا، سيدة الأقحوان. كل ذلك ترسخ حكايات بلدان بعيدة على أوراق بيضاء بسحر كلماته التلقائية والمؤثرة.
افتتن بالشرق حتى سكنه
أثناء عودتـه مـن تـركيا في عام 1876 أصبح بيـير لوتي مـذهولاً بالإسلام "ولا أدري بحكم أية وراثة أشعر دائماً أن شطراً من روحي عربيـة". لـقد احب اسطنبول التـي قــال فـي شـأنها "هذه المدينة لها ظل متفرد أكثر شأناً من أية مدينة علـى وجـه الأرض". خلال كل سفرة وكل استـكشاف لبـلد إسلامي: المغرب، سوريا، إيران... كان يزداد سحره ويتقوى إعجـابه بأرض الإسـلام.
استورد بيير لوتي أشياء عجيبة من أسفاره: سكاكين، سجاجيد، نارجيلات... وفي عام 1894 حين كان يزور دمشق، لم يتردد في شراء سقف من سقوف مسجد الأمويين الذي نجا من حريق مهول. وأتى به إلى فرنسا بمساعدة "مهربين شرفاء".
ومنذ 1887 شرع في تشييد "قصره" حيث بدأ بصالة "المسجد التركي" ثم بغرفة عربية في الطابق الأول، وقد امتلأ الفضاء بسجاجيد ووسائد شرقية وأدوات حربية ونارجيلات التي تراكمت إثر أسفاره واكتشافاته. سقف بيته مستوحى من قصر الحمراء في غرناطة التي زارها في فترة شهر العسل 1886، وفي تجويف بالجدار، صورة تدل على حب الشرق، مرسومة بريشة، ماري، أخت الكاتب.
يتنكر ليعيش الأسفار
بيير لوتي يحب الاعتكاف في تلك الغرفة، حيث يهيم بين الذكريات ودخان النارجيلة، متكئ على وسادات شرقية التي أعادت خياطتها ببراعة أمه وخالاته. وبين الحين والآخر يهاجر إلى آفاق أخرى حتى يقول: "أمضيت حياتي في مثل هذا الوضع أعاني من الرحيل وأبحث عنه في الوقت نفسه". لقد ذاق طعم الشهرة.
لم يكن بيير لوتي يكتفي بالحديث لأصدقائه الباريسيين عن الديكورات فقط، بل يسرد لهم الحكايات والقصص عن العالم العربي والشرقي. وفي المكتبة المجاورة للمسجد التي أطلق عليها "بيت المومياء"، نسبة إلى ذكرياته المصرية في هذه المكتبة، كان يتأمل مجموعة كتبه، وكثيراً من الروايات الأجنبية. ومكتبته مصدر افتخار له. ورتب في دولابه أزياء راقية ومطرزة مثل البرنوس والقفطان والكيمونو والساري، كل لباس له ذكرى، وكل ذكرى لها صفحات في كتله. وكان يتنكر بتلك الأزياء ليعيش لحظات الأسفار التي قام بها. وفي الجانب الآخر من المسجد كانت غرفة نومه البسيطة البيضاء والمجردة من كل شيء.
سيرة
استعار اسمه من زهرة المحيط الهادئ
بيير جوليان فيّو الملقب بيير لوتي (1850ـ 1923) كاتب فرنسي عمل ضابطاً في البحرية منذ عام 1867، وشارك في حملات كثيرة في السنغال وفي المحيط الهادئ، كما كان ضمن الكتيبة التي أُرسلت إلى الشرق الأقصى لقمع الاضطرابات في الصين عام 1900. بعد ترقيته إلى مناصب كبيرة تقاعد في عام 1910، ليعود إلى الخدمة ثانية في أثناء الحرب العالمية الأولى. وقد اتخذ الكاتب اسمه المستعار الأدبي "لوتي" من زهرة تنمو في مناطق المحيط الهادئ. كان لوتي يحب الفنون، يعزف الموسيقى ويرسم ويكتب مذكراته دائماً، ومنها استمد أحداث رواياته التي يسيطر عليها جو غريب مسحور.
بدأت شهرته الأدبية حين أخذ يكتب في "المجلة الجديدة" التي كانت تديرها صديقته جولييت آدم. نالت روايته الأولى "أزياديه" شهرة كبيرة، فشرع يكتب في كل سنة تقريباً رواية جديدة، منها "راراهو" (1880) التي أعيدت طباعتها تحت عنوان "زواج لوتي" (1882)، "رواية فارس" (1881) التي تدور حوادثها في السنغال، "شقيقي إيڤ" (1883) التي يتحدث فيها عن أخيه البحار الذي نقل له حبه للسفر في البحر.








