محاور رئيسية عدة تدور حولها خيوط حكاية "القياضة" الدرامية التي ساهمت تفاصيل قصة حب سليمان وعلياء في بنائها، إلى جانب خطف عيون الجمهور في رمضان، والتأسيس لعوالم روائية عبر قصة محبوكة تتطرق لها الدراما الإماراتية للمرة الأولى، تدور أحداثها في إطار تراثي يعود بتاريخه إلى عقد الستينيات.
في "القياضة" والذي تعرضه قناة سما دبي، دأبت علياء على أن تحط مع عائلتها في مدينة دبا الفجيرة خلال فصل الصيف، إلا أن صفو حكايتها مع سليمان ابن دبا الفجيرة، سرعان ما يعكره (مانع) ابن عم (سليمان) الذي يضمر الحقد والحسد لابن عمه، فلا يوفر فرصة أو حيلة لمحاولة الإيقاع بين علياء وسليمان، بدءاً من محاولته التقرب منها، ومحاولة إقناعها بأن سليمان ليس إلا لاهياً بمشاعرها، وصولاً إلى الجرأة عليها على نحو يدفعها لصده وطعنه بسكين.
ما يحدث تحولاً في علاقة سليمان مع علياء، فيفترق العاشقان، ليبدأ كل منهما رحلته وحيداً مع العذاب، دون أن يفرق بينهما الحب.
واجهة الحدث الدرامي
حكايات حب أخرى تنمو إلى جانب حكاية سليمان وعلياء، وقصص وفاء وتفاصيل حياتية تعكس طبيعة المجتمع الإماراتي بكل ما ينطوي عليه من مواقف أهل الإمارات، وطيبة معشرهم وتماسكهم، لتشكل هذا الحكايات واجهة الحدث الدرامي، فيما تشكل ملامح البلاد في ستينيات القرن الماضي إطاراً للحدث، حيث سادت فيها ما كان يعرف بأيام المقيض، أو القياضة، والذي كانت تتوافد فيه العائلات الإماراتية خلال الصيف على مدينة دبا الفجيرة المطلة على مياه الخليج العربي، لما تتمتع به من طقس معتدل، ومظهر تراثي، وهو ما يستعين به كاتب المسلسل محمد سعيد الضنحاني، ليشكل من خلاله الفضاء الزماني والمكاني لحكاية حب سليمان وعلياء، مقدماً إياها ضمن ثلاث مستويات تتمثل في طبيعة الحكاية الدرامية والموروث الاجتماعي والعادات والتقاليد التي تشكل خلفية هذه الحكاية، إلى جانب التقديم الفني لتلك الحكاية بصرياً.
إغراق تراثي
من بين خطوط المسلسل العديدة، لا بد لمتابع العمل أن يتتبع خيطاً رفيعاً يرتكز على فن التخيل الروائي ـ الدرامي، والذي بدونه لا يمكن النظر إلى العمل بوصفه مسلسلاً درامياً، وإنما يجب أن يدرج في خانة تتعلق بالفنون البصرية أو السردية، فالإغراق في التراث والتتبع الحرفي لما كانت عليه البلاد في ستينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي تدور خلالها أحداث العمل، يجعله مقترحاً بصرياً أقرب إلى الوثائقي من كونه درامياً، أو ما بينهما "ديكودراما"، أما الإغراق بالحكاية دون أرضية واقعية، فذلك يجعلها سرداً لا يليق إلا بالحكواتي، ودون قالب فني بصري.
وانصافاً للعمل، يمكن اعتباره خطوة متقدمة في الدراما الإماراتية، لجهة ضخامة العمل المقدم إنتاجياً وفنياً، والتعامل مع حكاية بغنى درامي وبعد تراثي دون أن تكون أسيرة له، وهما أمران سعى صناع العمل لإبرازهما منذ الحلقة الأولى له، والتي بدت حلقة ملحمية بامتياز، بمشهد واحد طويل هو مشهد العاصفة، الذي تألف من فسيفساء مشاهد سريعة تم التقطيع المونتاجي بينها، تتبع تداعيات العاصفة ضمن البيوت وبين الناس، في الشوارع وفي البحر وعلى الشاطئ، قام بتشكيلها أداء ممثلين مختلف بالدرجة الأولى، وتقنيات فنية ظهرت في حركة الكاميرا وذكاء الزوايا التي تلتقط منها الحدث، فضلاً عن تفاصيل تنفيذ المشهد سواء بالأداء الحي أو بالغرافيك.
أزياء وديكور
اهتمام صناع العمل العالي في التراث بكل تفاصيله، كان لما يشكله من بيئة حاضنة له، وما يمكن أن يقدمه من خدمة لطبيعة الحكاية، والتي بدورها لم تنتقص من قيمة التراث، وإن كانت هي التي تحدد ما تحتاجه منه، لناحية الأزياء وطبيعة الديكور، وهذا ما كشفته الصورة الدرامية على نحو كبير ومهم، ولاسيما في الديكور الضخم الذي لم يقتصر على زوايا وأركان تخدم الفكرة الدرامية، وإنما تجاوزه لبناء قرية تراثية متكاملة تضم بيوتاً عديدة، وفق أسلوب البناء الإماراتي التقليدي، وسط أشجار كثيرة من النخيل، يجاورها مسجد وسوق وآبار ماء، وتدب فيها حياة على نحو مشابه لما كانت عليه في الستينيات.
أما تفاصيل السلوك الإنساني في تلك الفترة والتي لابد أن تظهر في سيناريو العمل وحواراته فاستندت لخبرة مستشار متخصص بالأمور التراثية وهو عبد الله راشد، وفي هذا السياق لابد أن ننتبه أنه لم يكن مطلوباً تقديم وثيقة بقدر تقديم روحها، وهو أمر وفق فيه إلى حد كبير المسلسل.
ظروف إنتاجية
ما قدمه مسلسل القياضة، من مشاهد مختلفة تولى إخراجها السوري سلوم حداد، إنما يعكس مدى حاجة الشاشة المحلية لأعمال كبيرة، تتاح لها ظروف إنتاجية جيدة، كما قامت به شركة أرى الإمارات لهذا العمل الذي لأجله قامت ببناء قرية تراثية متكاملة.

