حالة انحدار إنساني واجتماعي واقتصادي عاشتها مصر في الفترة من منتصف عقد الثمانينات وحتى منتصف تسعينات القرن الماضي، ولذلك يعتبرها العديد من المهتمين بالشأن المصري، واحدة من أهم المراحل التي شهد فيها المجتمع المصري تحولاً جذرياً في بنيته الأساسية، والتي أدت إلى تعرض مصر للعديد من الأزمات والمشكلات، والتي تفشت بشكل واضح في الأحياء العشوائية التي تعاني منها العديد من المناطق المصرية، التي تطل من خلالها أحداث مسلسل «بدون ذكر أسماء»، والذي يعرض حالياً على تلفزيون دبي، حيث يتناول العمل تلك الفترة بكل تفاصيلها الحيوية وشخصياتها المختلفة، ليقدم لنا صورة حية عن واقع مصر القديم في قالب جريء، وضع إطاره الدرامي العام الكاتب وحيد حامد، الذي يمكن القول إنه قدم في هذا العمل رصداً مهماً لحالة المجتمع المصري، في تلك الفترة التي شهدت تصاعد التيار الإسلامي المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين بشكل ملحوظ.

جرعة جرأة

كعادته تميز الكاتب وحيد حامد، صاحب مسلسل «الجماعة» الذي عرض في 2010 وأثار الجدل حينها، في مسلسل «بدون ذكر أسماء» في تسليط الضوء على واحدة من أبرز مناطق المجتمع المصري، التي أغمضت عنها الدراما المصرية عيونها بشكل جزئي، ولذلك سيشعر متابع هذا العمل باحتوائه على جرعة عالية من الجرأة، لا سيما وأنه يتدخل في بعض الأحيان ضمن مناطق السياسة، وإن كانت بشكل غير مباشر، وفي تقديري أن طبيعة الفترة الزمنية التي تناولها الكاتب وحيد حامد قد أعطته مساحة واسعة للإبداع، الذي اكتملت أواصره مع رؤية المخرج تامر محسن الذي تمكن عبر مشاهد كثيرة في هذا العمل من إعادتنا إلى بعض من زمن مصر الجميل.

رغم كل المشكلات التي ظهرت آنذاك من انتشار للمد الديني في مصر والتي يدلل عليها الكاتب والمخرج من خلال مشاهد الشيخ كاشف ومعتمد ومجموعة الشباب الملتحين التي تصاحبه بشكل دائم، وأعمال البلطجة، والفساد وارتفاع نسبة المتشردين في مصر، والتي تتجلى في المشاهد التي يظهر فيها رجب الفرخ (الممثل محمد فراج) ومبسوطة (الممثلة روبي والتي جسدت دورها بكل براعة) ومجموعة الأطفال والشباب الذين يجسدون هذا الواقع، إلى جانب تقديم صورة واقعية وحقيقية للطبقات الفقيرة من المجتمع المصري، والتي تجلت بصورة كبيرة في المشاهد التي يظهر فيها ربيع الحلواني (عبدالعزيز مخيون) وعائلته.

أرض الواقع

اتساع مساحة الجرأة في العمل، قد تدعو المتابع له إلى التفكير ملياً في أسباب اختيار وحيد حامد لاسم «بدون ذكر أسماء» عنواناً لهذا العمل، رغم أن كافة شخصيات العمل قد يكون لها مقابل فعلي على أرض الواقع، سواء كانت رئيسية أو حتى ثانوية، ويبدو أن حامد قد فضل هذه الطريقة ليبقي المجال مفتوحاً أمام المشاهد لتحديد هوية الشخصيات الحقيقية المقصودة في هذا العمل.

رسائل كثيرة يحاول وحيد حامد أن يقدمها لنا من خلال هذا العمل، لا سيما في ما يتعلق بالفقر الذي تعيش فيه أعداد كبيرة من المجتمع العربي، وهي التي تتجلى في مشاهد «تصوير المسلسل التاريخي التي تقدم لنا صورة مأساوية وواقعية لما يعانيه الفقراء»، وكذلك مجموعة الحكم مثل «الفقر يورث الكفر» التي تطرق لها الممثل أحمد راتب حول ما يمكن للفقر أن يحدثه لدى الإنسان بشكل عام.

أدوار جيدة

وبعيداً عن القضايا التي يأخذنا إليها المسلسل، واقتراباً من الممثلين وواقعهم، سنجد أنهم قدموا لنا عملاً جميلاً بكل المعايير، وتمكن كل واحد منهم من إثبات قدرته على لعب الدور المسنود له، سواء الممثل رجب فرج وكذلك روبي اللذان جسدا بكل حرفية دور المشردين.

وكذلك عبدالعزيز مخيون الذي جسد شخصية الحلواني الفقير، وأحمد الفيشاوي الذي لعب دور ابن الحلواني الباحث عن الأمل في كل مكان، والذي نتعرف من خلاله إلى طبيعة شخصيات المجتمع المصري في ذلك الوقت، وأيضاً حورية فرغلي التي ابتعدت في هذا العمل عن أدوار الإغراء التي عرفت بها في بداياتها، والممثل أحمد راتب الذي يلعب دور لواء فقد بصره في حرب 1973، والذي يذكرنا بحال البلد وتطوراتها وغيرهم، وبلا شك أن عدم مشاركة أبطال المسلسل في أعمال درامية أخرى خلال رمضان الجاري، ساهم إلى حد كبير في إنجاح هذا العمل.

مشاهد حقيقية

 

لعب المخرج تامر محسن دوراً مهماً في استرجاع تلك الفترة من خلال عديد المشاهد الحقيقية التي صورت في تلك الفترة، مثل أحد المشاهد التي تظهر فيها لافتات كتب عليها «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي 1985».