تجود علينا الدراما الخليجية في كل عام بمجموعة من الأعمال الكوميدية الجميلة التي تحمل في طياتها أبعاداً اجتماعية كثيرة، لا تغيب معها الابتسامة، ورغم اتساع نطاق الأعمال الكوميدية المعروضة خلال رمضان الجاري، إلا أن مسلسل "سوق الحريم" والذي تعرضه شاشة تلفزيون دبي يبقى واحداً من أبرز الأعمال الدرامية هذا العام، لما يتضمنه من اسقاطات واقعية وقضايا اجتماعية عدة، تبقى أحياناً محل جدل وخلاف في المجتمعات العربية عموماً، كما أن يبدو أن هذا العمل سيكون مبشراً لعودة البطولات النسائية الجماعية إلى الدراما الخليجية.
بصمة واضحة
في هذا العمل، تمكن المخرج حسن أبل من جمع فريق عمل يمتلك بصمة واضحة في الساحة الفنية الخليجية، يتقدمهم الممثل الكبير محمد جابر والإماراتية رزيقة طارش وكذلك الممثلات إلهام الفضالة وهيا الشعيبي وسعاد علي وفخرية خميس، واللواتي تميزن بخفة دمهن وقدرتهن على تقديم الكوميديا الخفيفة، التي تحمل في أثارها ابعاداً تطرح من خلالها قضايا اجتماعية عدة.
فكرة العمل تدور حول أربع سيدات يترددن يومياً على سوق الحريم، ويتخذن فيه بسطه يبعن عليها بعضاً من مستلزمات النساء، ومن خلال تواجدهن في السوق، تتكشف الكثير من المواقف الكوميدية التي يطرح كاتب العمل أيمن الحبيل، من خلالها بعض القضايا والسلوكيات في المجتمع، مركزاً على عدد من القضايا الإنسانية التي تعانيها الطبقات الفقيرة، والمتوسطة، ولعل أبرزها قضايا العنوسة، والبطالة وقضايا السرعة والتهور في القيادة وغيرها، وكذلك قضية التعامل مع البضائع المسروقة وغيرها، وهي قضايا تمكن الكاتب من تقديمها بطريقة ذكية وجميلة، تحمل في داخلها وجبة كوميدية دسمة.
خروج عن النص
بلا شك أن المؤلف أيمن الجبيل تمكن في هذا العمل، من إيجاد قصص مثيرة وكلام نتوقع أنه يصدر تلقائيا في الغالب الأعم من الحوارات، وخصوصا من جانب الممثلة هيا الشعيبي التي يبدو أنها تخرج على النص كثيراً، بطريقة جميلة تضفي نكهة على العمل، كما كان واضحاً في الحلقة التي تحصل فيها سعاد علي على "رخصة القيادة (الليسن) وتقوم بدهس مدربها، ومن ثم دعم سيارة شاب من الخلف، فقد كانت تلك الحلقة كوميدية بامتياز، ويبدو أنها اعتمدت كثيراً على كوميديا الموقف، فضلاً عن ذلك فقد ساعدت اللهجات المختلفة المستخدمة في العمل وهي العمانية والبحرينية والكويتية والإماراتية أيضاً على ترطيب الأجواء، رغم أن العمل لا يتكئ عليها بصورة مباشرة، لا سيما وأن "سوق الحريم" عمل يتحدث عن خليجيات يبعن في سوق عادي، ولا يظهر الهم السياسي بقدر ما يهتم بإظهار الهم الاقتصادي، ويركز على العلاقة الاجتماعية القائمة على حياة البائعات الأربع.
نكهة خاصة
ويبدو أن المخرج حسين أبل، قد لعب كثيراً على وتر اختيار شخصيات العمل، والمدقق في طبيعتها سيجد أنها تحتفظ بتاريخ في الدراما الكوميدية، كما تمتلك القدرة على تقديم كوميديا الموقف والتعامل معها بحرفية، ففي هذا العمل نجد أن الممثل محمد جابر قد أعاد لنا صيغة الأعمال الخليجية التي اشتهرت في أعوام السبعينات وما بعدها، وبخفة دمه تمكن من إعطاء العمل نكهة خاصة.
من جهة أخرى، أعاد هذا العمل الممثلة إلهام الفضالة إلى الدراما الكوميدية مجدداً، بعد نجاح تجربتها السابقة في مسلسلي "عائلتي" و"موزة ولوزة" اللذين قدمتهما قبل ثلاث سنوات، وبالطبع تمكنت إلهام فيه من إتقان دور البنت الدلوعة التي تتميز بخفة دمها، وتتصرف على سجيتها وبدلع الذي يتضح من خلال طريقة نطقها للكلمات والأحرف.
فتاة طائشة
المتابع لهذا المسلسل، سيجد أن هيا الشعيبي قد أعادت التأكيد على موهبتها في الأعمال الكوميدية، وقدرتها على تقديم الطرح الكوميدي بطريقة جميلة جداً، وهو ما يظهر من خلال دورها الذي تظهر فيه مسيطرة تماماً ليس على أدواتها وحسب، وإنما على الشخصيات الأخرى التي تظهر معها في العمل. أما الممثلة سعاد علي، فقد تمكنت من تجسيد دور الفتاة العانسة التي فاتها قطار الزواج، وتبقى دائمة البحث عن زوج المستقبل، كما نجحت أيضاً في تجسيد دور الفتاة الطائشة التي تحتفظ بسجل من القضايا الخفيفة في مخافر الشرطة خاصة فيما يتعلق بقيادة السيارات.
ومن جهة ثانية، لعبت تلقائية فخرية خميس دوراً مهماً في انجاح دورها في هذا العمل، والذي تتحدث فيه باللهجة العمانية، وتحمل فيه أيضا اسمها الحقيقي تماما كزميلاتها إلهام الفضالة وهيا الشعيبي من الكويت وسعاد علي من البحرين، وعلى العموم يبدو أن "سوق الحريم" سيكون الأفضل بالنسبة لفخرية خميس التي تميز دورها بالتلقائية والأداء الجيد.
تسمية
قد يبدو مسمى "سوق الحريم" عادياً بالنسبة للمشاهد العربي، إلا أن هذه التسمية تحتفظ بتاريخ بعيد وبذكريات عديدة بالنسبة للمشاهد الكويتي، حيث تعد واحدة من أسواق الكويت الشعبية وهي تقع في سوق واقف القديم، وكانت قديماً عبارة عن أزقة ضيقة تجلس فيها النساء والباعة المؤقتون لبيع مختلف أنوع السلع، حيث كانوا يفترشون الأرض واضعين أمامهم ما لديهم من سلع فوق قطعة من القماش أو الحصير لعرضها للبيع، وكانت النساء يشكلن غالبية الباعة في ذلك المكان.

