لا تفوّت الجزائريات سهرات رمضان دون أن يتسامرن حول التراث المحلي الشهير «البوقالات»، وهي حكمٌ ومأثوراتٌ شعبيةٌ أصيلة لها نكهة خاصة ومعان عميقة تستحضر على صينيات الشاي والقهوة والحلويات.

ونوّهت الحاجة فطّة بنت محمد أنّ البوقالات تقليد وطني قديم نشأ زمن العهد الفينيقي بمدينة شرشال غرب البلاد، واشتق من الكلمة الأمازيغية بوقال وتعني إناء مصنوع من مادة الفخار، والعلاقة الموجودة بين الإناء والبوقالات، تكمن في استعمال الأول أثناء جلسات القراءة.

ولا يمكن ذكر رمضان دون زخم البوقالات المتوارثة وتعدّ بحسبها تاجاً يرصّع السهرات وتشرح محدثتنا: يبدأ كل شيء في لعبة البوقالة بوضع إحدى السيدات وتكون كبيرة بالسن خاتما من ذهب في إناء من طين، وتقوم إحدى الفتيات بسحب الخاتم وتطلب منها العجوز أن تتمنى شيئا لتقرأ لها البوقالة، وتبدأ قائلة «باسم الله بديت وعلى النبي صليت وعلى الصحابة رضيت وعيطت يا خالقي يا مغيث».

وتصطبغ طقوس البوقالة بديكور فانتازي فريد، إذ ترتدي النسوة أشهر الثياب والحلي التقليدية الشهيرة، كالقفطان «القاط»، أو سروال الشلقة المدور، والكاراكو المطرز بالمجبود أي الأحجار الكريمة، والمحزمة، وطقم من الأحذية الخفيفة اللينّة التي لا تصدر أصواتا عند المشي.

وتقترن البوقالات بالفأل الحسن، وتحمل بين كلماتها معاني الحب والأماني والأمل الذي خاصة للصبايا اللاتي يتطلعن للظفر بفرسان الأحلام، وقول البوقالات مرتبط دائما برمضان.

 زينة وتنافس

تقول ليلى خضراوي إنّ البوقالات زينة المجالس النسائية، وتقوم بنات الحي الواحد بالالتقاء في بيت واحدة منهن على مائدة مزينة بمختلف أنواع الحلوى المحلية المحضرة كالمحنشة، الصامصة القطايف، المقروط، البقلاوة، قلب اللوز والزلابية مع الشاي والقهوة، لتبادل أطراف الحديث ثم يأتي موعد قراءة البوقالات، حيث يؤخذ إناء مملوء بالماء وتضع فيه كل واحدة منهن خاتمها وتمسك شابتان الإناء بواسطة السبابة اليمنى واليسرى، وبعد أن يعقد الجميع تقرأ البوقالة وتغمض إحداهن عينيها لتخرج خاتماً من الماء، وتكون بذلك البوقالة المقروءة فأل صاحبة الخاتم.

وأبرزت سميرة مسعود الطابع التنافسي الودي للبوقالات، حيث تتبارى الحصيفات المفوّهات بكوكبة حكم وأمثال تتفنن المخضرمات في حفظها، والمحافظة على نقلها للأجيال الجديدة.

ولا بدّ من تحلّق النساء لتعاطي ضروب السمر، وتضع العذارى في الإناء شيئا من حليّهن ويغطينه بعد ذلك بقطع من القماش، وبعد استهلال «باسم الله بديت، وعلى النبي صليت»، تشرع إحدى الحاضرات في قراءة الموشح الشعبي، وإثر كل مقطع منفرد، تسرّب القارئة يدها إلى داخل البوقال لسحب قطعة من الحلي الموضوعة فيه، ويتم تفسير طالع صاحبة الحلية المسحوبة على ضوء ما جاء في الموشح الشعبي المقروء.

وإخراج لعبة البوقالة في قالب جيد، يتطلب من عرّابيها تحضير أجواء حميمية خاصة، تساعد على فتح مخيلة الهائمات وفسح خواطرهن وشرح صدورهن تحسباً للفأل والأمل والرجاء والحلم، وكل جلسة تستجيب للمقتضيات تأتي متميزة ومبهرة.

وترك جزائريو الزمن الأول ما يزيد على مائتي مثل شعبي يجمع بين عمق المعنى وسلاسة المبنى، وعن طريق مجموع البوقالات وما تنطوي عليه من شعر ملحون، يمكن التعرف على تاريخ الجزائر وواقعها الاجتماعي. وما يتصل باللباس، الطبخ، الصناعات التقليدية، الشعر والغناء وغيرها.

نماذج عدة

تبعاً لغزارة رصيد الموروث الأدبي والثقافي الشعبي الجزائري الأصيل، وفرسانه الكبار، أمثال: أحمد بن قيطون وسيدي الأخضر بن خلوف، وابن مسايب، وابن التريكي، وابن سهلة، ومصطفى بن إبراهيم، والمنداسي، والزرهوني، وتتعدد نماذج البوقالة.