إنها واحدة من اللحظات التي لا يمكن نسيانها بالرغم من تراكم التفاصيل ومرور السنوات، لحظة حدثت ذات يوم بعيد حيث جئت فيه إلى دبي، لحظة تحول مما تصنع فارقاً عظيماً لدى المرء. ذلك اليوم كان يقع في العام 1966 وقد هبطت فيه الطائرة القادمة من القاهرة عن طريق قطر على أرض مطار دبي، لتكون لحظة التحول الكامل في حياتي الإنسانية والمهنية.

خطوات من الطائرة

كان مطار دبي وقتها بسيطاً وصغيراً لدرجة أني وجدت أصدقائي الذين ينتظرون قدومي واقفين على بعد خطوات من الطائرة، في تلك الأثناء أحسست أن هذه المدينة بهدوئها إنما تحمل روحاً داخلها، روحاً اكتشفتها يوماً بعد يوم، وهي الروح التي صنعت تألقها فصارت إلى ما هي عليه بعزيمة وإصرار كبيرين.

غرفة التجارة

بعد وصولي التحقت بالعمل في غرفة تجارة وصناعة دبي، وكانت منشأة صغيرة لكن العمل فيها كان أشبه بخلايا نحل. توليت العمل رئيساً لقسم الحسابات لكون شهادتي البكالوريوس في العلوم المالية والتجارية، وهكذا وضعت النظام المالي للغرفة تحت إشراف مدققي الحسابات (سابا وشركاؤهم)، وخلال تجربة العمل اليومي كان المستقبل - الذي تعيشه دبي الآن واقعاً مدهشاً- يتشكل عبر شرايين تجارية وصناعية أعطتها طوال تاريخها مكانة متميزة في المنطقة بأسرها.

مبنى ومرفأ

في العام 1967 أي بعد عام من عملي بغرفة تجارة وصناعة دبي، انتقلت للعمل رئيساً لحسابات "شركة بوعميم وحارب للمقاولات" وبقيت فيها حتى عام 1974 حيث انتقلت للعمل رئيسا للمحاسبين في قسم الحسابات المركزي بمكتب سمو حاكم دبي وقتها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. كان رحمة الله عليه مثالاً للتواضع الجميل الذي يحمله العظماء عادة ويتحلون به ليكمل ملامح شخصياتهم الفريدة، وكان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم يعمل باستمرار على تطوير دبي مستثمراً عائدات النفط فور اكتشافه في تطوير البنية التحتية لدبي، وأولى أهمية قصوى لبناء المدارس والمستشفيات، كما عمل على تمهيد الطرق.

 إضافة إلى الكثير من المشاريع التطويرية الخاصة بالاتصالات والمواصلات الحديثة والمياه والكهرباء، كما تم في عهده تشييد مبنى ومرفأ حديثين: ميناء دبي ومطار دبي الدولي، وتطوير مدرج الهبوط ليستوعب مختلف أنواع الطائرات، وشاءت الظروف التاريخية أن أكون واحداً من الذين شاهدوا عن قرب الإنجازات التاريخية وهي تتحقق على أرض دبي.وهي الإنجازات التي تضاعفت وأخذت بعداً عميقاً وحداثياً على يد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظه الله، وما زلت حتى هذه اللحظة أعتز اعتزازاً كبيراً بسنوات عملي في قسم الحسابات المركزي بمكتب سمو حاكم دبي حتى عام 1979 وأعتبرها السنوات الأغلى والأعز على نفسي.

النقلة في "البيان"

انتقلت إلى العمل بمؤسسة "البيان" للصحافة رئيساً للقسم المالي، وكان مبنى "البيان" الحالي وقتها لا يزال تحت الإنشاء، وكثيراً ما كنت أتابع العمل مع القائمين عليها، وهذه أيضاً مرحلة لا يمكن إنكار قيمتها إنسانياً أو مهنياً، حيث جمعتني بشخوص كثيرين أذكرهم بالخير كله الذي يستحقونه، وعلى رأس هؤلاء سمو الشيخ حشر مكتوم، مدير دائرة الإعلام والمدير العام رئيس التحرير المسؤول لمؤسسة "البيان" الذي تعلمت منه الكثير الكثير .

وفي عام 1998 كان الأخ والصديق الأستاذ سيف محمد المري قد بدأ في تولى مهام عمله مديراً عاماً ورئيساً لتحرير " دار الصدى للصحافة " فانتقلت للعمل بالدار رئيسا للقسم المالي، وكانت دار الصدى في بدايات التأسيس الأولى، ومن ثم وضعت الهيكل المالي لها، وما زلت أواصل عملي بها، حاملاً لدبي اعتزازاً كبيراً، يوازي العشق والارتباط العميق.

تأهلت في دبي

على أرض دبي تزوجت وأنجبت أبنائي الثلاثة الذين تعلموا في مدارسها ثم أكملوا تعليمهم الجامعي في الولايات المتحدة الأمريكية ليعودوا إلى العمل في دبي بوفاء ومحبة للمدينة التي شهدت طفولتهم، واحتضنت تحقق أحلامهم الجميلة.

اليوم عندما أتذكر اللحظات الأولى لمجيئي إلى دبي، وما تلاها بعد ذلك من تحولات وخبرات وتجارب مهنية وإنسانية، أشعر بالفخر والزهو لأنني كنت بين أولئك الذين عاشوا خطين متوازيين من التطور والانتقال، الأول هو ما كانت تمضي إليه دبي من نقلة عصرية واثقة، ومن تطور قائم على إرادة وعزم ورؤية تستشرف المستقبل وشروطه، والثاني.. ما عشته أنا شخصياً على المستويين الاجتماعي أو (العائلي) والعملي، ولا ننسى أن البشر أيضاً يعيشون التحولات، وينتقلون بحيواتهم من تطور إلى آخر، لذا أستطيع اليوم وأنا أنظر إلى عائلتي فخورا بها، باعتبارها أعظم إنجازاتي في هذه الحياة. أستطيع القول إن قرار مجيئي إلى دبي هو الذي صنع كل هذه التحولات الإيجابية في حياتي، لقد كانت وما زالت عظمة دبي واختلافها الجميل هو أنها أرض الطموحات، فضاء وسيع لمن يملك قدرة وموهبة وعطاء، وأولاً وأخيراً من يملك حباً حقيقياً لدبي وأهلها.

وأثق أن مثلي ملايين من الذين يعيشون في دبي، يحملون لها محبة حقيقية، لأنها أعطتهم الفرص بحب حقيقي، وفتحت لهم الأبواب ليصنعوا ما يفتخرون به، ودبي تستحق في كل وقت أن نقول لها: دام خيرك الذي لا ينكره أحد، ولا يعلو عليه شيء.

 

المدير المالي لدار الصدى للصحافة