حملت السنوات الأولى بعد استقراري في الإمارات الكثير من الذكريات الجميلة، منها عشقي للطبيعة الجديدة علي بجوها الصحراوي، وذلك منذ العام 1981، كنت بعد إيصال ابني إلى مدرسته بالقرب من دوار الكتاب في الشارقة، أقف بسيارتي قرب شجرة سدر معمرة ووافرة بظلالها. كان المشهد يأسرني خاصة السلم الخشبي القديم المركون بجانبها. تحت ظلالها حيث تهيمن عليّ السكينة والحب وكثيراً ما حاولت رسم هذا الشعور على الورق بقلم الرصاص.

فم السمكة

أتذكر أسْر الدوار بجوار السوق المركزي بالشارقة لي، الذي كان مزروعاً بأكمله بزهر (فم السمكة) من مختلف الألوان والأطوال. أتوجه إليه صباح كل يوم جمعة لأتشبع بجماليات المشهد الذي لا تمله العين، فهو لي بمثابة كنز علي بابا، أنظر إليه بشوق ولهفة. وبعدها أتجه إلى الكورنيش لأستغرق في جماليات الزهور التي زرعت على طول الرصيف. كنت أمام كل نوع جديد من الزهور وألوانها تتملكني دهشة تعيدني إلى طفولتي.

نزهات الأسبوع

أما زيارتي الأولى للسوق المركزي أو كما كنا نسميه (السوق الإسلامي) لزخارفه الشرقية الطابع. أدهشني طراز العمارة الشرقية والقاشاني، وكل ما في السوق من بضائع تحمل طابع بلدان متنوعة، الهندي بمختلف أزيائه والإيراني والصيني.

فكان الوجهة الأمثل لنزهاتنا الأسبوعية التي تنحصر بينه وبين سوق الغرير بما يضمه من وسائل ترفيه، أو الذهاب إلى مطار الشارقة لتناول العشاء مع الأصدقاء. وفي نهاية الأسبوع نلتقي الأصدقاء من أبوظبي ورأس الخيمة في إحدى الحدائق العامة.. الصفا أو مشرف، أو حديقة المطار، حيث كان أطفالنا يلعبون من الصباح وحتى المساء.

التسوق في الرولة ونايف

أما متعة التسوق فهي حينما نذهب أنا وبعض الجارات (المصرية واللبنانية والسورية) إلى سوق الرولة في الشارقة، أو سوق نايف في دبي لشراء الملابس القطنية لأطفالنا. كانت تجربة متعة لأنها متجددة. فكل زيارة بمثابة اكتشاف لتصاميم جديدة وبأسعار معتدلة.

تجربة إنسانية

ومن التجارب الإنسانية التي لا زالت تستوقفني ببساطتها وعفويتها، يوم ذهبت إلى مبنى دائرة (الهجرة والجوازات) سابقاً بشأن متابعة تصريح العمل، وفي مدخل المبنى سألت أحد الإماراتيين المارين عن المكان الذي يتوجب علي التوجه إليه، فقال لي أني في المبنى الخطأ وعلي الذهاب إلى وزارة العمل والعمال، وحينما سألته عن مكانها، قام بالسير أمامي. بعدها بادر وزوجته بزيارتنا، ومن ثم رددنا لهم الزيارة وهكذا تكونت صداقة أسرية. تجربة تدل على بساطة العلاقات الإنسانية في ذاك الوقت، فلم يكن لدى كل منا هذا الكم من التوجس والحذر والتجارب المؤلمة. كانت العلاقات الإنسانية بحد ذاتها غاية يسعى إليها الجميع بحب وعفوية.

اكتشاف الملهم

اكتشفت بناء مطار الشارقة القديم المهجور، فكنت أزوره بين الحين والآخر بعد مغادرتي العمل، لأقوم بتصويره بهدف الاحتفاظ بذاكرة المكان. كانت الجدران بألوانها ورطوبتها وقدمها بمثابة لوحات فنية آسرة، كذلك الحذاء العسكري الانجليزي والسترة المعلقة على جدار علاها غبار السنوات، والدجاجات اللاتي كن يسرحن بحرية (يُحسدن عليها) في الباحة الرئيسية بكل ما فيها من أشجار وخضرة. في ذاك المكان كنت أنسى العالم الخارجي وهمومه مع شعور عميق بالانتماء.

صحراء وسينما

في العام 1988 انضممت إلى فريق الفيلم السينمائي (عابر سبيل) مع الأخوين سهيل وعلي العبدول، اللذين شكلا المجموعة الفنية التي ضمت 5 أفراد. خلال تصوير الفيلم في منطقة البستكية والصحراء، وبحكم دوري كفتاة من إحدى القرى النائية تعرفت على التراث والفولكلور الإماراتي، وعلى الأزياء القديمة التي كانت ترتديها المرأة من الشيلة إلى (البوتلّي ) و(الثوب الخفيف) و(التلّي) المطرز، والأدوات التي يتم تبخير الملابس عليها.

وبينما كان فريق العمل يقوم بترميم وإعداد البيت الذي سيتم التصوير فيه في البستكية، كنت أختلي بنفسي في إحدى الغرف وأكتب ما يدور في ذهني من أجواء متأثرة بالمكان، وبالتجربة السينمائية وانطباعاتي عن كل مرحلة. وكذلك الأمر في مستشفى (سارة) بالشارقة.

أما التجربة الكبرى فكانت لدى انتقال التصوير إلى مشاهد الصحراء، وهناك عملنا جميعاً على تشييد العرش، ونقل سعف النخيل وربط الأعمدة الخشبية بالحبال، ورص الدعون. وبين الكثبان الرملية وأمواجها الذهبية تعرفت على ثقافة جديدة عشتها وأحببتها، وتواصلت مع العديد من أبناء وفتيات الإمارات الذين كانوا يشاركون بأدوار الكومبارس، والذين كانوا من مناطق شعبية لها عادات وتقاليد تختلف عمن تواصلت معهم في المدن.

ألق الكتابة

الذكريات الأجمل في أواخر الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، حينما كانت الحركة الثقافية في قمة تألقها، حيث كنا نترقب بفارغ الصبر صدور المحلق الثقافي الأسبوعي يوم الاثنين أو الثلاثاء، وكيف كان القائمون على الصحف والمجلات يتابعون تجربة الكتّاب والكاتبات، كنت ومجموعة من زميلاتي نتناوب على كتابة عامود في مجلة الشروق الأسبوعية في زمن مدير تحريرها سعد محيو، مع متابعة الزميل الأستاذ كامل يوسف الذي كان رئيس قسم الثقافة في "البيان"، لتجربتنا والاتصال بنا بين الحين والآخر والسؤال عن جديد نتاجنا لنشره.

وكذلك الشاعر جمال بخيت الذي كان مدير الملحق الثقافي في الخليج، والزميل أسامة مرة المنسق الإعلامي في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة الذي كان يحرص على التواصل مع الجميع ومساعدتهم في كل ما يتحاجونه من معلومات ومراجع.