سمعت عنها كثيراً، فأصبح طيفها يراودني كل ما خلدت إلى النوم، وبدأت أشتاق إليها وأنا لم أرها بعد. فنويت وأعددت عدتي وتجهزت لزيارتها لأيام قليلة، وكان ذلك في شهر يوليو من عام 1977.

في الطائرة.. ولم تمض بضع ساعات حتى لامسنا سحاب فضائها قادمين من الاردن، إنها الإمارات التي طالما تحدثوا أمامي عنها، وكنت أستمع بدقة لكل ما يقال ثم أسترجعه مراراً في نفسي. وفي اللحظة التي أعلن فيها أننا قريبون من أرضها بدأت عيناي تحدق بمناظرها في مختلف الجهات.. فشاهدت دبي والخور وكأنه لوحة معمارية فريدة خطفت انتباهي، وبعد أن هبطنا بسلام، دفعني الشوق لمزاحمة الركاب لأخرج من محيط الطائرة إلى أحضان فضائها الشاسع، لحظة استنشقت هواءها شغفت بها وكأنني استعدت أنفاسي.

حينما قصدت الإمارات بتأشيرة زيارة، استقبلني فيها أخي الذي أقام فيها منذ نعومة أظافره.

وبعد يومين بدأت رحلة البحث عن وظيفة، فلم أجد حينها عملاً في مهنة التصوير، ولكن كانت أبواب العمل مفتوحة في شتى المجالات، فعملت مسؤول مبيعات في معرض للأدوات الكهربائية لمدة ثلاث سنوات، إلى أن قرأت يوماً إعلاناً لمؤسسة صحفية في دبي، ذهبت إلى المقر المذكور، والذي كان موجوداً حينها بالقرب من دوار الساعة، وقمت بتعبئة الطلب، وبعد أسبوع وردني اتصال منهم مع تحديد موعد للمقابلة، وقابلت مدير التحرير وقتها وهو الأستاذ إبراهيم سكجها، رحمه الله، وخرجت من المقابلة الموفقة بعقد العمل في جريدة "البيان" وامتد ذلك منذ 24 فبراير 1980 وحتى اليوم. عاصرت التطورات والتحديات التي مرّت بها المؤسسة، وبقيت مخلصا في حبي لعملي.

صدمة البداية

في الأيام الأولى من عمر الجريدة، وقبيل أن يعرفها جيدا أفراد المجتمع، واجهتنا بعض الصعوبات في العمل الصحفي خصوصاً إذا كان الموضوع يتعلق بالمرأة، بسبب العادات والتقاليد في البلد، وأذكر ذات مرة ذهبت مع أحد الصحفيين إلى سوق السمك لعمل تحقيق عن سوق الأسماك وأسعارها في بر دبي، وعندما قمت بالتقاط الصور إذ بإحدى النساء ترشقنا بالسمك، وعلى الفور أبلغت الشرطة، حيث قالت للشرطي إن (الليت) والذي تقصد به إضاءة (الفلاش) الكاميرا جاء عليها، وتخاف من الضرر الذي قد يصيبها أثر ذلك.

ترجمة للجهود

أما النهضة العمرانية والثقافية التي شهدتها دولة الإمارات العربية المتحدة ليست مستغربة، لأنها ترجمة للجهود التي بذلها مؤسسو الاتحاد والحكام الذين خلفوهم وساروا على نهجهم، فأصبحت الإمارات مصدر إلهام تغذي عدسة المصور وريشة والرسام وخيال الشاعر بأفكار تبدو لمن يشاهدها أو يقرؤها كأنها خيال.

استقرار وتفاؤل

لم أكن أعلم أن رحلة الزيارة القصيرة سوف تطول إلى عشرات السنين، ولم أخطط يوما أن أستقر خارج الأردن، ولكن ما حظيت به من ترحيب، وما لمسته من كرم من قبل أهل الإمارات، وما شعرت به من أمن وأمان، وما شاهدته من تطور سريع وظهر بصورة واضحة للعيان، أثار فيَّ التفاؤل، فهنأت بحياة كريمة منذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها قدمي على أرض الدولة، فجلبت بعد ذلك زوجتي، وكونت أسرة احتضنتها الإمارات بحفاوة حكامها وطيبة شعبها.

 

حين أكلت بيدي

والحقيقة التي لمستها ولمسها غيري كثيرون.. هي أن كل إنسان حين يذهب إلى بلد غير بلده يجد صعوبة في التأقلم على أجواء البيئة وأطباع الناس، لاختلاف العادات والتقاليد واللهجات، ولكن إن أحببت البلد، فلن تجد صعوبة في الانخراط فيه، ذات يوم أذكر أننا دعينا إلى الغداء في مزرعة أحد الأخوة المواطنين في العين، وعندما أحضروا الطعام، باشر الجميع بالأكل ولم استطع أن آكل بيدي لكوني اعتدت على الأكل بالملعقة، فنظر صاحب المزرعة وسألني تفضل يا أخي، فأخبرته عن السبب فقال لي: لأنها أول مرة سأحضر لك ملعقة على أن لا تعيدها في مرات قادمة، لأنه من عاداتنا أن نأكل باليد، وأننا لا نتناول الطعام بالملعقة، حينها تركت الملعقة وأصررت على أن آكل بيدي، وكان الطعام يتناثر فلا يصل منه إلى فمي إلا القليل، وهم يضحكون، ومرة إثر مرة تعلّمت تناول الطعام باليد! وكلما التقي هذا الرجل يداعبني بقوله أتريد ملعقة أم تأكل بيدك!

 

تذمر أولادي

 

تعلقت أسرتي بالإمارات، وعندما نسافر إلى أقاربنا أو أي مكان آخر، لا تكاد تمضي بضعة أيام حتى يبدأ أبنائي بالتذمر والإلحاح عليَّ لكي نعود حيث مسقط الرأس والبيت والأصحاب والارتباط الوجداني، فمن يزور هذا البلد الكريم المضياف يتعلق به في الحال، لما يحققه له من استقرار نفسي وأمني ومادي أيضاً، وذلك بفضل الجهود التي تبذل من شيوخ هذا البلد الكرام، من أجل راحة أبناء هذا البلد والمقيمين فيه.