لست خبيرا في مسائل سك النقود وتاريخها، ولا في أمور العملات وتحويلها؛ لكنني حريص على أن أمتلك رصيدا من العبارات ذات المنطوق اللفظي الذي يحمل من المفاهيم الفكرية ما يجعل كل عبارة أحفظها في ذاكرتي وأوراقي، أشبه بالعملات القديمة والنادرة التي يشغف البعض بجمعها، ويرى فيها كنزا يصونه بكل حب واعتزاز. هكذا حالي مع مجموعة كبيرة من الأقوال التي تحولت في ضميري إلى عملات "ضربت" في الإمارات لكنها مثل" جنيه الذهب" قابلة للصرف، أو بالأحرى للفهم والتطبيق، في أي مكان من عالمنا اليوم، وفي كل زمان للبشرية التي لاتزال بالرغم من تطورها تحتاج لكل كلمة وكل حرف يحمل مضمونا في باطنه يكمن كل الخير.
العبارات ـ العملات
والحقيقة أن مخزون العبارات ـ العملات ـ لدي غير محدود ولا يمكنني تصنيفه بأي من أشكال التصنيف.. لا وفق التاريخ أو الشخصية أو حتى المضمون، فما تضمه أوراقي وذاكرتي، هو نتاج الارتباط بمهنة فيها من الحركة واللقاءات ما يسمح للمرء أن يتعرف من خلالها إلى الكثير، وأن يستمع للكثيرين وأن يلتقط من الأفواه ما يعبر عن قناعات فكرية أصلب عودا وأبعد جذورا في أعماق العقل.
وبالرغم من أني ودعت سنوات الشباب من زمن؛ إلا أنني لاأزال شغوفا بجمع كل عبارة تحيي الفكر، وتنشط الذهن وتنقل الخبرة والحكمة لي وللآخرين، ولعل هذا الشغف هو السبب في إحساسي الدائم بأني "شاب تحت التسعين" وهي عبارة تعود الكثيرون ممن ألقاهم أو أهاتفهم، على سماعها مني منذ بلغت الستين، ولكم أن تتخيلوا حجم ما تجمع في ذاكرة إمرئ تجاوز هذه السن بكثير.
سأبدأ طرح ما لدي من العبارات المخزونة ذات المفاهيم العميقة في مدلولها والتي لاتزال أصداؤها تتردد في الأذن. وهنا سأتوقف عند عبارة قالها رجل من طين هذه الأرض ورمالها، هو الشاعر الكبير الراحل سلطان العويس، أو التاجر الذي استهواه الشعر على حد وصف الأديب العراقي المعروف عبدالإله عبد القادر في كتاباته عن رجل رافقه ردحا من الزمن.
لقاء الفجيرة
كان اللقاء بيني وبين العويس في الفجيرة أوائل التسعينات من القرن الماضي، عندما حل ضيفا على الإمارة ليتسلم من حاكمها درع الريادة في احتفال يوم الرواد الذي كانت تنظمه حينذاك جمعية الفجيرة الثقافية الاجتماعية، واستمر لسنوات عدة وتميزت به إمارة الفجيرة كأول فعالية محلية تكرِّم رموزا من أبناء الإمارات الرواد والمبدعين والمتميزين في مختلف المجالات.
كنت مع الشاعر ورجل الأعمال ذائع الصيت في لقائي الأول به، والذي تعددت بعده اللقاءات، سواء في مكتبه أعلى برج العويس في ديرة دبي، أو في استراحته الخاصة في خورفكان إحدى مدن المنطقة الشرقية من إمارة الشارقة.
دار بيني وبين شاعرنا الراحل حوار طويل؛ تناولت فيه الكثير من الجوانب في حياته ومسيرته الشعرية قبل أن أعرِّج على الجانب الإنساني البارز في شخصيته كواحد من المشاهير في مجال العمل الخيري والتطوعي بالرغم من انشغاله بشؤون مصالحه الخاصة كرجل أعمال.
«إن الكأس إذا امتلأ.. فاض»
كنت أعرف الكثير عن جهوده التطوعية ومبادراته لخدمة الناس، عبر مشروعات تقدم الكثير من العون لتحسين حياتهم في مناطق مختلفة داخل الدولة وخارجها، ومنها بالطبع وعلى سبيل المثال وليس الحصر، تلك السدود الثلاثة التي أقامها على نفقته في مناطق الوريعة وزكت والطويين في إمارة الفجيرة، والتي يحمل بعضها اسمه حتى اليوم.
وحين طرحت عليه سؤالي عن هذه الجهود التطوعية والأعمال الخيرية، وكيف انطلقت مبادراته في هذا الاتجاه، فاجأتني إجابته بعبارته التي تقول وبالنص: "إن الكأس إذا امتلأ.. فاض" وتوقف عند العبارة ولم يزد عليها حرفاً، فتوقفت بدوري بعد أن سجلتها في دفتري الصغير وذاكرتي المحدودة بعد أن منحتها في أعماقي لقب " التعبير المختصر لمفهوم الخير بين البشر" وظللت أردد في نفسي: لقد منحتني الحياة الفرصة لألتقط أربع كلمات فقط توجز ما تحتاج الكتابة لشرحه وتفسيره موسوعات تضم آلاف الصفحات.
من الراس والكراس
وأواصل استرجاع ما تختزنه الذاكرة وما تحمله الأوراق التي صار بعضها عتيقا بحكم الزمن لكنه بقي متجددا بحكم مايضمه من معان أو خبرات، فأصل بكم إلى العبارة الثانية في هذا المقال والتي اخترت أن أختتم بها هذه السطور فهي عبارة أخرى "ضربت " أي صنعت أو سُكَّت فقط في الإمارات، أما صاحبها وقائلها فهو أيضا شاعر وأديب يواصل حتى اليوم عطاءه البار لهذه الأرض المعطاء، إنه المفكر الإماراتي الكبير محمد بن أحمد خليفة السويدي الذي قال عبارة ضمن حوار له قبل عشرين عاماً؛ تحمل فكرا إنسانيا رائعا في إجابة سؤال حول معنى الوطن وكان نص جوابه: " الوطن ليس هو المكان الذي تولد فيه، بل هو المكان الذي تُحترم فيه".
وأجدني، منذ عشرين عاماً وحتى اليوم، وأنا أكرر هذه العبارة في كل المجالس واللقاءات لدرجة أن البعض رآني قد جعلتها أقرب إلى الأمثال الشعبية أو المأثورات اللغوية، وبالطبع لن أنكر شيئا من ذلك فالعبارة تشكل قاعدة أساس لدستور أي حياة كريمة، لأي شعب في الدنيا وبكل الأوطان وعلى امتداد الزمان.
