قبل الظهر من يوم الأربعاء الموافق 15 إبريل عام 1987 جلست على مقعد طائرة مصر للطيران المتجهة إلى أبوظبي للعمل في إحدى الصحف الخاصة لمدة عام أو عامين على الأكثر، أعود بعدها لمواصلة نجاحي كمحرر للشؤون الخارجية في مجلة روز اليوسف.

لم تمر سوى بضعة شهور حتى حدث ما لم يكن متوقعا.. تأخر صرف الرواتب، وفُصِل بعضنا، فلجأنا للقضاء الذي أنصفنا. بعد عام قررت العودة إلى مصر مع شعوري بضياع عام.

وقبل أن أحزم حقائبي جاءني عرض للعمل في جريدة "البيان" وبدلا من أن أحمل حقائبي إلى القاهرة حملتها إلى دبي، على أمل أن أعمل عاما أو عامين أعود بعدها إلى مجلتي روز اليوسف.

لم تكن دبي في ذلك الوقت كما هي اليوم، فقد كانت تخطو خطواتها الأولى نحو تأسيس بنيتها التحتية المتطورة وإنشاء وسائل اتصال ومواصلات وسياحة مدهشة ونهضة عمرانية واسعة في فترة زمنية قليلة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن، وعدت نموذجا سياحيا فريدا يحتذى به.

دبي كبرت أمام عيني

كان الشيخ زايد، رحمه الله، حكيم الأمة يشع نورا وحكمة وعطاء على الجميع، وكان أخوه الشيخ راشد، رحمه الله، قد وضع اللبنة الأولى في دبي الحديثة، والتي استكملها بعده المغفور له الشيخ مكتوم، وسار على دربهما صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله وأبقاه، الذي استطاع أن يضع دبي في مكانة متميزة بين الدول المتطورة.

البيان في الصحراء

بمقاييس ذلك الوقت كان مبنى جريدة "البيان" وسط الصحراء، فقد كان في أقاصي دبي. وعندما أكون مناوبا بقسم الشؤون الخارجية وأعود إلى منزلي بالشارقة في الثانية صباحا في (باص) الجريدة أجد زوجتي في الشرفة تنتظرني بقلق وهي تدعو لي بسلامة الوصول!

ومنذ ذلك الوقت ودبي تخطو نحو العالمية في كل شيء من دون ضجيج، فكنا نعرف بالإنجاز بعد انتهائه، ولم تكن تمر شهور قليلة حتى نشاهد إنجازا كبيرا ـ بمقاييس ذلك الوقت أيضاـ فبعد أن كان مركز الغرير والملا بلازا هما المكانين الوحيدين للتنزه والتسوق في عطلة نهاية الأسبوع، جاء سيتي سنتر دبي ليكون حدثا فريدا في عالم التسوق ثم توالت بعده المراكز.. أكثر تطورا.. وأكبر حجما.. وأشمل في المرافق والمتاجر حتى ضمت دبي أضخم مركز تسوق في العالم.

ناطحات السحاب

إلى جانب مراكز التسوق شاهدنا ناطحات السحاب التي بدأت في شارع الشيخ زايد حتى رأينا برج خليفة الأطول والأجمل من نوعه في العالم.

ومن حديقة مشرف وحديقة الصفا.. توالت الحدائق الجميلة والفريدة لتعم أرجاء دبي وأحياءها.

وإذا تحدثنا عن الشوارع الفسيحة والجسور الضخمة والأنفاق العملاقة فحدّث ولا حرج.

كانت دبي تكبر أمام عيني مثلما كبر أبنائي عمر ونورا (في الجامعة الآن) ومها ( في الإعدادي) المولودون جميعا في مستشفى الوصل سابقاً لطيفة حالياً.

يومان بفارق 10 سنوات

عشر سنوات أتممتها في "البيان" عملت في معظم أقسام الجريدة ـ باستثناء الرياضة ـ واختتمت عملي بها عام 1998 مشرفا على الملف السياسي قبل أن أنتقل إلى قسم الاقتصاد.

خرجت من البيان في 31 يوليو وهو نفس اليوم الذي دخلت فيه الجريدة لأول مرة قبل عشرة أعوام.

التحدي الجديد

التحقت بدائرة السياحة والتسويق التجاري بعد أن شعرت أنني قدمت كل ما عندي في "البيان" وقررت أن أبدأ تحديا جديدا في قطاع مختلف.

خلال سنوات عملي في القطاعين أتيح لي زيارة العديد من الدول وكان أهم ما يشغلني ـ إلى جانب التغطية الصحفية ـ أن أبحث عن الفرق بين دبي وبين كل من هذه الدول.. وكنت أقول عقب كل رحلة: دبي تكسب حتى صارت قناعتي التي أقولها لأصدقائي في كل مناسبة: من عاش في دبي لا تملأ عينه أي مدينة أخرى في أي دولة في العالم!

وطوال السنوات الماضية توافد على دبي أكثر من وزير سياحة مصري، وكنت خلال كل لقاء معهم أستغرب ساخرا ولا أخفي ذلك من الأرقام التي يعلنونها عن عدد السياح في مصر، حين يكون عدد السياح في بلد ذات تاريخ عريق يكاد يكون مساويا لعدد السياح في دبي.. تعلموا من دبي كيف استطاعوا جذب كل هذا العدد من السياح.

 

 

(رئيس قسم الإعلام العربي والإنجليزي العلاقات الإعلامية)

(بيّض الله ويهك)

 

طوال السنوات العشر تلك قررت أن أبدأ رحلة النجاح في دبي، وكان مؤشر نجاحي الذي لم أنتظره هو ما كان يقوله لي الأستاذ ظاعن شاهين (مدير التحرير في ذلك الوقت) كلما قابلني في أحد أروقة الجريدة عقب كل انفراد: (بيّض الله ويهك). كان لهذه الكلمات وقع السحر على نفسي عندما كنت أسمعها منه ليس بصفته مديراً للتحرير ولكنه قبل ذلك الصحفي والشاعر والإنسان. كنت أرى في هذه الكلمات مكافأة لا يعادلها شيء، الأمر الذي رسخ عندي فكرة البقاء واستبعدت فكرة العودة خاصة إلى مصر.