اعتبر الفجيرة مسقط رأسي الصحافي، وذلك كان في عام 1976م، حيث عملت مندوباً للأخبار في مكتب وزارة الإعلام هناك، وكانت جريدة الاتحاد تتبع الوزارة في ذلك الوقت، وحتى أتعرف على المكان الذي سأذهب إليه استعنت بكتاب أصدرته وزارة الإعلام يتحدث عن إمارات الاتحاد. وعند وصولي للفصل الخاص بالفجيرة شعرت بالخوف والقلق.

فالكتاب يصف الطريق إليها أنه في غاية الوعورة، ولا تجتازه إلا السيارات اللاندروفر لأنه يمر عبر سهول ووديان ومنحدرات تتلوى بين الجبال. والكلام كان مزوداً بالصور التي زادت قلبي ارتعاشاً، فالسيارات اللاندروفر ملقاة على جانبي الوديان، وبعضها محطمة في المنحدرات الجبلية كلعب أطفال أهملها أصحابها فتكلحت بفعل الشمس.

لحسن حظي كان أول خبر أرسلته من الفجيرة عن افتتاح آخر الجسور على طريق الفجيرة دبي، ليصبح الطريق سالكاً ممهداً ميسراً، إلا أن طريق عملي لم يكن كذلك. وحتى تتضح رؤية تلك الظروف أنشر صورة قلمية عن كيفية إرسال الأخبار والتحقيقات المصورة إلى الجريدة في أبوظبي. لارسال الأخبار كان عليّ أن أتصل ببدالة الفجيرة.

وأطلب توصيلي بهاتف الجريدة في أبوظبي لأن الاتصالات بين الإمارات لم تكن مباشرة. وكان الاتصال أحيانا يتأخر بسبب الضغط على الخط الوحيد الذي كان يربط الفجيرة بأبوظبي، وعندما تجيب بدالة الجريدة أطلب توصيلي بأي محرر.

وأرجوه أن يتكرم ويتلقى مني الخبر بالرغم من مشاغله، هذا عن الخبر الصغير، أما الأخبار الكبيرة والتحقيقات المزودة بالصور فكنت أذهب إلى" ستيشن التاكسي" وأسأل عمن عليه " الزام إلى دبي"، وأسلِّمه الرسالة معنونة وعليها أرقام هواتف مكتب الجريدة في دبي. فيأخذها"بنول راكب"، وكثيراً ما ضاعت رسائل مهمة، لكنها الوسيلة الوحيدة التي كانت متاحة. وفي دبي يكون مندوب الجريدة في انتظار سيارة "التاكسي" لاستلام الرسالة.

فإذا كان وصولها مبكراً يتم ارسالها مع سيارة الجريدة من دبي لأبوظبي، وإذا تأخرت عن موعد تحرك سيارة أبوظبي، يتم ارسال الرسالة بـ"التاكسي" مرة أخرى لكن إلى أبوظبي. وبطبيعة الحال ضاع الكثير من الرسائل. ولم يكن أمامنا إلا أن نعمل في ظل الظروف المتاحة.

عابر سبيل

أول رمضان قضيته في الفجيرة جاء متوافقا مع شهر أغسطس، وطلبت مني إدارة التحرير في الجريدة باعتباري المحرر والمصور معاً، صوراً ولقطات رمضانية، كنت أخرج من أجلها مع لحظات الافطار أجوب الشوارع والفرجان والقرى سيراً على الأقدام، لأصور فرشات الافطار التي يفرشها المواطنون أمام بيوتهم لتناول الافطار جماعة مع الجيران وأهل الفريج، الذين يأتي كل منهم بما عنده، لتكون الفرشة عامرة بما لذ وطاب، يقبل عليها الأهل والأحباب والأغراب، وعابر السبيل، الذي غالبا ما كنت أنا هو ذلك العابر.

الصعوبة والمتعة

كانت فترة عملي في الفجيرة في غاية الصعوبة والمتعة في الوقت نفسه، لأن الإمارة كانت بكراً، مجالات الكتابة فيها متعددة، لكن تقبُّل الناس للصحافة كان يتراوح ما بين أقصى اليمين ترحيبا ومودة، وأقصى اليسار ابتعاداً عنا نحن.. "بياعين الكلام" بتعبير هذه الأيام. كانت تلك الفترة من أمتع فترات عملي الصحفي، وأكثرها ثراء وإيجابية، والممتع أن نتائج العمل كنت ألمسها في اليوم التالي مباشرة.

كان بيتي في الفجيرة هو مكتب جريدة الاتحاد، وبيت الزميل المرحوم محمد صلاح بعد تعيينه مصوراً هو (معمل تحميض الصور) التي كان التقاطها مشكله وتحميضها مشكلة وارسالها لأبوظبي مشكلة المشاكل. فإرسال صورة متوسطة الحجم أبيض وأسود يحتاج إلى نصف ساعة بجهاز بسيط الامكانيات يصدر طنينا عاليا، ومع هذا اعتبرناه حدثاً فريداً يتيح لنا نشر صورة مع الخبر في اليوم التالي.

لصق الحروف

انتقلت لأبوظبي لأتولى رئاسة القسم الرياضي، وكانت معاناة المركز الرئيسي بطبيعة الحال مضاعفة عن العمل في المكاتب الفرعية، أتذكر زملاء قسم التنفيذ وهم يلصقون شريط الأخبار بعد صفه على الكمبيوتر وشتان الفارق مابين كمبيوتر زمان ومسماه هذه الأيام. كان المنفذ يجد نفسه مضطراً لأن يقص حرفاً واحداً من كلمه في عدد سابق، ليلصقه فيكون ضمن حروف كلمة ضاع منها ذلك الحرف في العدد الجديد.

المعجزة

الفاكس.. كنا نعتبره معجزة، معجزة.. أن يتم ارسال ورقه مكتوبة للتو من مكان إلى آخر على بعد عشرات الكيلومترات! كان الفاكس يشبه صندوق البريد شكلاً بلونه الأحمر وفتحته العليا، أما حجما؛ فكان في حجم غسالة الملابس.

ولما تطور الأمر أصبح ارسال الأخبار يتم هاتفيا أيضا إلى قسم الاستماع، الذي يتولى تسجيل المكالمة ومن ثم تفريغها على آلة كاتبة فيما بعد. وماذا أقول عن صحافة الإيميل حاليا، حيث يتم ارسال التقرير وعدة صور ملونة بضغطة زر من مكان الحدث.

أهم المحطات ومسك الختام

 

والمحطات في الإمارات متعددة لكن التي يسعدني أن أتوقف عندها ممتلأ فخراً وزهواً، تلك المحطة التي أجريت فيها مقابلة مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وذلك يوم 12 /7 /1995 في منطقة المبزرة الخضراء بالعين، وسبب الفخر أن المقابلة كانت مع الشيخ زايد، الذي يحلم الناس بمصافحته.

 وكانت التعليمات الواضحة أن أخبار الرئاسة مقتصرة على وكالة أنباء الإمارات فقط، ويومها لم يوجد أي زميل من الصحف الأخرى، ولا حتى مندوب الوكالة المرافق لرئيس الدولة في كل تحركاته، ليكتب لي القدر بحمد الله إجراء تلك المقابلة والانفراد بها، ويكون ذلك مسك ختام عملي في صحيفة الاتحاد التي تركتها لأتفرغ لصحافة التراث.