عندما أعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، أسترجع بداياتي الأولى في علاقتي مع الإمارات عندما جئت إليها قادماً من الدوحة في زيارة عمل خاطفة استغرقت يومين التقيت خلالها في أبوظبي عدداً من الأصدقاء وزملاء المهنة.
كان الزائر وقتها يتنقل عادة بين أربعة فنادق شهيرة في العاصمة، وأمضيت يومها أمسية جميلة مع بعض الأصدقاء، تنعش وجوهنا نسمة نوفمبر الباردة تحت شلال المياه الذي كان يتوسط كورنيش أبوظبي بإضاءاته الرائعة ومياهه المتدفقة بألوان الحمم البركانية. غادرت عائداً بعد سهرة عائلية في النادي السياحي بعد مباراة شيقة في البولينغ، ولم يدر بخلدي آنذاك أن سجل الأيام سوف يطوى سريعاً عقب هذه الزيارة، لأجد المصادفة تقودني هذه المرة للعمل في صحافة الإمارات، وكنت محظوظاً بميزة ربما لم تتوافر لآخرين وهي الالتحاق تباعاً بصحفها الثلاث الرئيسة في دبي ثم الشارقة، والآن في عاصمة الإمارات أبوظبي.
وحين أسترجع بعض ملامح مشواري الصحفي، تلوح أمام ناظري لحظة الوصول الأولى إلى الإمارات، كانت في بدايات شهر رمضان المبارك، وهي مرحلة جديدة في حياتي المهنية والإنسانية لا أعلم فيها عن مقبل الأيام شيئاً، ولكن سرعان ما تلاشى المجهول بفعل الطمأنينة، فأنا الآن في دار زايد. ونحن المصريون منذ زمن بعيد نعرف قامة هذا الرجل وقدره، فالشيخ زايد "رحمه الله" حكيم الأمة ولم تقتصر حكمة شيخ العرب على رؤية ما هو أمام عينيه فحسب، بل في قدرته على استشراف ما سيحدث في المستقبل، فقد كان يؤمن (بأن الأعمال أعلى صوتاً من الكلمات).
ثروات القلب لا تُسرق
بمغادرتي المطار اصطحبت معي هذه المعاني والمشاعر الدافئة لتصبح واقعاً معاشاً يومياً، حيث تتنامى إلى مسامعي كلمات جديدة ولهجات متنوعة تتسم بالتعدد الموسيقى ومفردات تتعلمها وتعيد إنتاجها ولسان حالك يدفعك نحو المشاركة في منظومة حياتية بديعة تجمع ولا تفرق.. تقرِّب ولا تبعِّد. وكما يقولون فإن ثروات القلب - وما أكثرها - لا يمكن أن ُتسرق، وإذا كان لكل مدينة لون ومعنى، فما أجمل أيام رمضان ولياليه تنعش الذاكرة حين نفطر في حديقة الخان ونصلي القيام بمسجد السلام في الشارقة.
ونتناول السحور على بحيرة خالد، ونقضي سهرة رائعة على كاسر الأمواج في أبوظبي، ونتبادل الأطباق مع زملاء العمل وعائلاتهم في حديقة الصفا بدبي، وهم من الإمارات والسودان وسوريا وفلسطين ولبنان والأردن وتونس ومصر، وقد التف الجميع بعد يوم عمل رمضاني على الإفطار، وقد شُمِّرت السواعد للتعامل مع البرياني والهريس والقراصة والعصيدة والمنسف والحريرة والحوتة واحتساء التمر هندي والحلو مر.
(قفشات) صاحبة الجلالة
الذكريات في الإمارات لا تنسى عبر التواصل الإنساني مع الزملاء والأصدقاء، و برنامج العمل اليومي في بلاط صاحبة الجلالة - بالرغم من صعوبته دوماً وتوتراته أحياناً- لا يخلو من مفاجآت أو (قفشات) ومقالب يرتبها الصحفيون لزملائهم، ولعل الذاكرة تسعفني بواقعة يصعب نسيانها عندما استغل بعض هواة المقالب حداثة عمل زميل صحفي بالدولة، وكان طيب القلب حسن النية، فاتفق هؤلاء في سهرة مع مدير تحرير الصحيفة التي يعمل فيها الزميل الجديد، على أن يطلب المدير من صاحبنا الاستعداد للسفر خلال 48 ساعة إلى باكستان في مهمة عمل عاجلة لتغطية إحدى المناسبات المهمة هناك، وبالطبع لم تكن هناك مهمة، وطلب مدير التحرير من المندوب الصحفي أن يستغل وجوده في إسلام آباد ويجري حواراً مع الأب الروحي للبرنامج النووي الباكستاني عبد القدير خان، وإن لم يذكر لصاحبنا اسم هذا العالم الشهير، وأشار عليه بضرورة أن يستعد جيداً للمقابلة من حيث المظهر وأسئلة الحوار والخلفيات المعلوماتية عن الرجل.
مقلب المهمة الخارجية
وعلى الفور بدا على صاحبنا الارتباك مع أول مهمة سفر خارجية له، وقد هاله هذا التكليف المفاجئ، وهرع في شراء ملابس، خاصة القطنية منها، حسب نصائح بعض الزملاء الذين أداروا غرفة عمليات ظلت تعمل على مدار الساعة لتزويد الزميل بما لديهم من معلومات زعموا أنها سوف تفيده في رحلته الموعودة، وأقنعوه أن مخترع القنبلة النووية يهوى رياضة الغولف ويجب عليه أن يستعد لمنازلته إذا فاجأه بالدعوة لممارسة هذه الرياضة حتى لا يثير غضبه فيلغي الحوار معه، وظل خمسة من الزملاء يتناوبون الاتصال تباعاً بهذا الزميل الذي أوقعه سوء التقدير في فخهم، عندما حاول كل منهم عند الاتصال به أن يسدي له نصيحة أو معلومة مغلوطة، دون أن يكتشف صاحبنا أن الخمسة يجلسون معاً واتصالاتهم به من المكان نفسه.
وأكد أحدهم أنه يجب على صاحبنا أن يعرف أيضاً عدد ملاعب الغولف في العالم وفي باكستان خاصة، ولماذا تحتاج هذه الملاعب إلى وفرة في المياه، وكم عدد حفر الغولف في الملعب وقانون اللعبة، وأسرع بعض الزملاء مع كل استجابة من هذا الزميل الوافد الجديد لكل ما يقال له إلى إعداد المزيد من الأسئلة المضحكة والأفكار الهزلية لكي يستعين بها في حواره، وأعد صاحبنا حقيبته للسفر والأوراق محشوة بفخاخ وشراك خداعية.
وقبل توجهه إلى المطار، كانت جلسته مع مدير التحرير والتي تحولت إلى لقاء عاصف بعد أن بادره مدير التحرير مستفسراً: هل عرفت اسم العالم الباكستاني فأجابه على الفور: نعم أنه (طيبع خان) وكان أحد الزملاء قد أبلغه إياه، وعاد وسأله: أنت جاهز للسفر؟ فأجاب: الحقيبة في السيارة، فباغته مدير التحرير بنبرة تهكم.. (الرحلة ألغيت لظروف خارجة عن إرادتنا، وسوف نعوضك ونرسلك بمهمة أخرى للولايات المتحدة ولقاء كلينتون الرئيس، أرجو أن تنال هذه الرحلة منك الاهتمام ذاته وتستعد لها جيداً.
