كنت أقسمت على نفسي قسما عظيما بأن لا أحلق ذقني ولا شعر رأسي ولا أبدل ملابسي حتى أحصل على الإذن الرسمي لدخول دولة الإمارات العربية المتحدة، فأنفق عمري في خدمة زايد وشعب الإمارات ووطنه، مهما كان دوري بسيطا، وقد تحقق لي ذلك وغادرت سوريا إلى أبوظبي في 24/ 9/ 1975.

وجاءت تلك الرغبة الصارمة، عندما كنت أشارك في حرب 6 اكتوبر العاشر من رمضان المجيدة ضد العدو الصهيوني، حيث تفجرت في نفسي وروحي مشاعر قومية جليلة إبان الصيحة العالمية المدوية التي أطلقها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وهو يعلن: (بأن الذين قدموا دماءهم في المعركة، معركة الشرف قد تقدموا الصفوف كلها وأن النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي)، والتي أتبعها بشراء جميع غرف العمليات الجراحية المتنقلـة المعروضة للبيع في جميع أنحاء أوروبا وإرسالها إلى دمشق والقاهرة مع كميات كبيرة جدا من المواد الطبية، كما تبرع بمائة مليون جنيه إسترليني لدعم المعارك الدائرة على الجبهتين، وغير ذلك الكثير مما تم ولم يكن قد مضى على قيام دولة الإمارات سوى عامين، ولم تكن بعد امتلكت ثروات تغنيها عن عائدات نفطها.

هذه المواقف العظيمة لزايد رحمه الله والتي سطرها التاريخ بأحرف من نور أدت إلى انتصار الأمة العربية في حرب رمضان وهو أمر أكده كثير من شعوب وزعماء العالم، وكان له أثره البالغ على نفسي وروحي وفكري وأدى بي إلى أن أقسم ذلك القسم.

عملت في أبو ظبي بمجلة (الأيام) ثم بمستشفى أبو ظبي المركزي وفي العام 1979 انتقلت إلى منطقة الشارقة الطبية لأتمكن من فتح بيت الزوجية، وكانت زوجتي قدمت إلى الدولة كمدرسة معارة لمادة الفيزياء.

في الشارقة، عملت بقسم الأخبار السياسية بصحيفة (الخليج)، وكنت ضمن الرعيل الأول الذي أسهم بإطلاقها عام 1980 الأمر الذي أتاح لي الاقتراب من كوكبة من رجالات الفكر والعلم والثقافة، كالمغفور له محمد الماغوط، والإعلامي الفذّ غسان طهبوب، والأديب والمفكر جمعة اللامي، والشاعر الكبير عبد الرزاق إسماعيل وغيرهم من القامات السامقة.

التي عزز قربي منها فكري، ولا سيما عندما عملت في الشؤون الوطنية (المحليات)، حيث منحني ذلك الشرف الأكبر لأن أكون شاهدا ومتفاعلا مع مختلف مكونات النهضة الوطنية الحضارية الكبرى لدولة الإمارات، والتي قادها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإخوانه أصحاب السمو الشيوخ أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات، ومن بعده (خير خلف لخير سلف) صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وإخوانه أعضاء المجلس الأعلى والتي وضعت الإمارات في مقدمة الصفوف الأولى للدول المتقدمة.

مولد الشاعر

بتاريخ 09/01/1995، عقد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي مؤتمرا صحافيا في دبي أعلى سموه خلاله شعلة المحبة تجاه الشعب العراقي بعد غزو الكويت، وذلك عندما دعا سموه إلى مد جسور المحبة للشعب العراقي مؤكدا سموه بأن قدرنا كأقطار عربية أن نحب بعضنا بعضا، في ذلك اليوم وعلى أثر هذه الدعوة السامية بمعانيها الغنية، تفجرت في قلبي مشاعر إبداعية ما كانت من قبل.

وكنت وقتها قد تخطيت الخامسة والأربعين من عمري، حين أمسكت بالقلم ولم أضعه إلا وقد أنهيت قصيدتي الأولى: (صقر العرب) من (25) بيتا، والتي لم أكتب قبلها بيت شعر موزون واحد، عندها أدركت بأن القصيدة هي بطاقة شكر وامتنان ومودة لهذا القائد العربي الأبي، وأن عليّ أن أقدمها لسموه باسم جيلي الذي تربى على هذه القيم، وفعلا قدمتها لسموه في قصر زعبيل العامر، وقرأها باهتمام بالغ، ويا لَشرفي وفخري واعتزازي عندما صافحني سموه وهنأني بالقصيدة التي وصف كلماتها بمعان زادتني اعتزازا، ويعزّ عليّ ألا أذكرها هنا تواضعا. بعد ذلك لم يهدأ الشعر فكتبت في كل ما من شأنه أن يعبر عن الروح التي جاءت بي إلى الإمارات، كما كتبت مجموعة من الكتب والمؤلفات عن الشارقة وصاحب السمو حاكمها المفدى.

مقطع من القصيدة

أبيٌّ يَـصْـطفي للشـمـسِ دربـــاً كصقـرِ الحُــرِّ في كبــدِ الســماءِ

هَصـورٌ في ســموٍ ليس يخـبـو

وميضُ الــروحِ في ألـقِ الحياءِ

شمـوخُ النفـسِ سِيْـمَاءُ المُحيَّا

ووشـــمُ المجــدِ بـــرَّاقُ السـنـاءِ

يُطـاولُ في المـروءَةِ كـلَّ خيــرٍ ويَغــلـبُ خَيــْـرُهُ زمــنَ العــنــاءِ

إذا ما الـقـولُ ســارعَ باجـتهادٍ

فــإن الـفـِعـــلَ يـَســـْبــِقُ للــقـاءِ

خيولُ العُربِ قد كانت نصـيـراً

لِفرســـانِ الكـــرامــــةِ والإبــــاءِ

ومنـهُ الـيومَ قـد نـالتْ مُـناهـا

من الإعـزاز ِوالشرفِ المضـــاءِ

لســــانُ الطيرِ عَلـَّمهُ القوافـي لتشـــدوَ رُوْحُـــهُ لحــنَ الوفــاءِ

ومَـدَّتـــهُ الجَــوارحُ بالـمـزايا فـعــاش بــِنـهــجـِـها دانٍ ونـــاءِ

يـُنـَقـّـِل طَرْفَــهُ بــيــنَ الـبَرَايا

كعين ِالصقر تَشخصُ في العراءِ

تغذىَّ من شموخِ العُربِ عزّاً

وجــاءَ العــزُّ فـي زمــن ِانكـفــاءِ

وأشعلَ في ظلامِ النفسِ نوراً

فــعــمَّ الــمجــدُ أرجـــاءَ الفضـاءِ

وقالَ مُـحـطِّـمـاً زمَـنـاً رديـئاً: مـقــاديــــرُ العــروبـــةِ بالإخـــاءِ

فدوَّى في الكرامةِ كــــــلُّ ثأرٍ

من الوَجَـل ِالمسـجّى كــــــالـوباءِ

صقورُ الأمس قد وَلَدَتْ ولياً

يــؤمُ الـقـــومَ ناصِــيَةَ الفـِــــــدَاءِ

تـَأبـَّطْ رايــة َالعُـــربانِ عــزَّاً

فـإنَّ الخُــلْــدَ يُــبـْـعَــثُ بالـــدمـاءِ