أن تستحضر ماضياً امتد لثلاثة عقود لتسرده ضمن مساحة محددة أمر مرهق، ولكنه ممتع في الوقت ذاته، فحتى الذكريات المؤلمة تغدوسعيدة عندما نسترجعها، ونحن خارج إطار تأثيرها.

عندما التحقت بعملي كمحرر صحفي بمكتب جريدة "الاتحاد" في العين منتصف الثمانينات؛ كانت مدينة العين في بداية تمطيها على نمط البداوة الذي تسكنه ويسكنها، سعيدة بالماضي الذي تحتضنه بإخلاص كاحتضانها واحاتها السبع وهي تترقب ملامح الفجر الجديد القادم.

أحداث محدودة

كانت الأحداث والمناشط محدودة جداً، ومعظم الأخبار تقتصر على أنشطة بلدية العين و المدارس وأنشطة الطلبة وخاصة الطالبات في جامعة الإمارات.

أما الأخبار المحلية وعلى مستوى الدولة فلم تكن تشغل أكثر من صفحتين في الجريدة أو ثلاث صفحات في أحسن الأحوال، وكان ذلك من حسن الطالع فسبل التواصل مع المركز الرئيسي في أبوظبي كانت في غاية الصعوبة، فالهاتف هو عامل التواصل الأساسي، أما الصور فكانت بالأسود والأبيض فقط، وجهاز إرسال هذه الصور كان بحجم ثلاجة متوسطة الحجم وثمنه 110 آلاف درهم.

وتستغرق الصورة ثلث ساعة للإرسال، وقد تصل واضحة أو ضعيفة. أما المادة الكتابية فكانت تطبع وترسل عن طريق آلة ( التكرز) الأشبه بالآلة الكاتبة، أما الفاكس فكان عبارة عن جهاز بحجم الغسالة الأوتوماتيك، وتحتاج كل صفحة قرابة 5 دقائق للإرسال مع ضرورة مراعاة أن تكون الكتابة عليها بالقلم الأسود الداكن و تفريغ 4 سم من جميع أطرافها.

نعمة التقنية

كان دخول الفاكسات الحديثة بمثابة ثورة تقنية صحفية نظراً لما وفرته من سبل التواصل السريع بالمادة المكتوبة، وكان هناك في قسم الاستماع بالجريدة موظفون مهمتهم النقل الكتابي لبعض المواد التي تملى عليهم من قبل محرري المكاتب الخارجية.وعندما دخلت الصور الملونة بدأنا نواجه مشكلة توفير الصور للمكتب الرئيسي ولم تكن لدينا الوسيلة لإرسال الصور غير إرسالها بسيارة خاصة.

وهذا ما كان يوقعنا في حيص بيص خاصة عندما تكون هناك مناسبات مسائية هامة.. مما يضطر الصحيفة للتأخر في الطباعة إلى ساعات الفجر الأولى، ناهيك عن صعوبة توفير استوديو خاص لإظهار الصور في ذلك الوقت.

ولذا كان جهاز ارسال الصور الأسطواني الصغير الذي تم ادخاله لإرسال الصور الملونة لاحقاً بمثابة ثورة تقنية أخرى. حيث كانت تثبت الصورة على اسطوانة تبدأ بالدوران وإرسال الصور كل لون على حدة بدءاً باللون الأسود، وكان إرسال الصورة الواحدة يستغرق قرابة 20 دقيقة، والصورة المرسلة أضعف بنسبة تتراوح بين 20 إلى 40 % عن جودة الأصل.

جيلان

لاشك في أننا جيل محظوظ إذ قدر لنا أن نعايش جيلين مختلفين. جيل التقنيات الصحفية البسيطة المتواضعة، ثم جيل ثورة التكنولوجيا والتقنيات الحديثة التي غزت مختلف مجالات الحياة، ومنها ثورة الاتصالات والملتيميديا التي كان للصحافة والإعلام القسط والوافر منها. خاصة الإنترنت والهواتف المتحركة والبلاك بيري. مما ذلل الصعاب التي كانت تعترض عملنا الصحفي، ومما جعل من التواصل أمراً بالغ السهولة.

وهذا ما يجعلنا ندرك قيمة هذه التقنيات، وما قدمته من تسهيلات أمام ممتهني العمل الصحفي، وهو أمر يصعب إدراكه لدى من لم يعش تجاربنا الماضية.

وداد عام

لا يفوتني أن أذكر مدى ما كان يتحلى به أبناء المجتمع من ود وطيبه على اختلاف شرائحهم، ومواقعهم الاجتماعية.. ومراكزهم الوظيفية.. فلم تكن هناك عوائق تعترض سبل التواصل بين الصحفي ووكلاء الدوائر أو من في حكمهم. والناس في منتهى البساطة في تعاملهم.

من أجل الشفافية ولكن

ذات يوم تناهى إلينا حصول حريق ضخم في مساكن العمال التابعة لإحدى المزارع قرب فندق الإنتركونتننتال، فهرعنا لتغطية الخبر.. ولكننا وصلنا متأخرين وقد نجح رجال الدفاع المدني بإخماد النيران. وإذا بقائد فريق الدفاع المدني يقول:" نريد أن تنشروا الخبر والصورة بالصفحة الأولى يا اتحاد، فقلت له:"

لو التقطنا صورة لكم وأنتم تخمدون النار المشتعلة لأمكن نشرها.. أما هكذا فلا يمكن.. فنادى الرجل على عناصره وأمرهم بجمع بقايا الأخشاب المحترقة، وسكب عليها قليلاً من البترول وبدأ الفريق العمل للتهوية لإيقاد النار، وإذا بمسؤول الدفاع المدني يأتي مصادفة لتفقد الحريق. فشاهد الموقف، ولما عرف الهدف غضب قائلاً: لم تتموا عملية التبريد بعد وتشعلون النار؟! وماؤكم قد نفد! حسابنا في المركز.

المصور والتابع

طبيعة العمل الصحفي سابقا، لم تكن مفهومة لدى شريحة واسعة من أبناء المجتمع فالصحفي كان في نظر الكثيرين تابع للمصور، لأن المصور هو الذي (يعكسهم) فتنشر صورهم في الصحيفة. وهي الأهم بالنسبة إليهم .. أما الصحفي فهو تحصيل حاصل.