في أوروبا وتحديداً في اسبانيا عشت تحت سياط الغربة وامتدت في رحلة امتدت آلامها عشر سنوات، أعقبتها محطة لم أدرك يوماً أنها ستكون الأطول، بل والأجمل في حياتي.

قرار الرحيل عن العجوز

في 31 ديسمبر 1979 كنت قررت الرحيل من القارة العجوز، فسافرنا زوجتي وأنا جواً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. الساعة التي حطت بنا الطائرة إلى أرض المطار، كانت في ليلة شتاء إماراتي، لفحتني فيها نسمات هواء لطيفة أثناء خروجي من باب الطائرة، واستقبلني حينها أحد أقاربي، وسبحانه ربي إذ وللوهلة الأولى داخلني شعور الطمأنينة فور وصولي.

خيارات متعددة

ونتيجة لامتزاج دراستي بالتصوير وتقنية المعلومات معاً، فقد كانت الخيارات أمامي متشعبة للالتحاق بأكثر من مؤسسة إعلامية، وبدأت الفرص تلوح أمامي وتتضاعف في هذا البلد المعطاء. في تلك الأثناء، كانت صحيفة "البيان" تضع لبناتها الأولى فرُشحت للعمل في سربها المتواضع، وأنيطت بي مهمة تأسيس قسم التصوير في إمارة أبوظبي، فالتحميض والطباعة والإرسال أولى الخطوات التي تعاملنا معها في القسم.

أول رمضان لي قضيته في أبوظبي، وازداد حبي للحياة العائلية بقدر ما فاتني التمتع بمباهجها، حين كنت في اسبانيا فهي تتجرد من الأجواء الإيمانية التي لمستها في الإمارات، واستعدت الحياة التي افتقدتها منذ غادرت الشام فعادت لي هنا من جديد.

أبو طبيلة والأطفال والخيالة

بعد عام، انتقلت إلى إمارة دبي، وحل رمضان الثاني لي في الدولة، ومن أهم الصور والمشاهد التي لا تبرح ذاكرتي هي.. جري الأطفال خلف المسحراتي "أبو طبيلة" وتحديداً في منطقة السطوة، ويتحصل هذا الرجل إزاء عمله على أجر من بيوت الحي الذي يجوب فيه. وفي أحيان كنت ألتقط صورا لجولات خيالة شرطة دبي في الأحياء السكنية، صور ترمز إلى دور الأمن في المجتمع، وقد أثار إعجابي تكاتف المجتمع، وطقوس مناسباته التي يمارسها الأطفال.

مفاجأة صباح العيد

في صباح أول عيد لي في الإمارات فوجئت بأحدهم يطرق باب منزلي، أسرعت إلى الباب متعجباً ومتسائلاً عن هوية الطارق. فتحت باب المنزل ودهشت بما أسعدني، وجدت أطفالا يرددون سوياً بصوت واحد "عطونا عيدية"، هذا الموقف أعاد لي طفولتي المطوية في صفحات الماضي البعيد. منذ تلك اللحظة أخذت أترقب طرقات الباب في كل عيد منتظرا ومستعدا لعيدية الاطفال، وقد لاحظت أن هؤلاء الأطفال يتمتعون بحنكة رغم سنهم المبكرة، إذ لا يعاودون طرق باب من لا يقدم لهم "العيدية" مطلقاً.

تفاءلت فهوجمت

في الثمانينات، كان البعض يستغرب من آلة التصوير، وآخرون لا يحبذون فكرة الوقوف أمام العدسة، بالنسبة لي الأمر مختلف، ولعل هذا الموقف وهو من جملة ما تعرضت لها من طرائف. فبينما كنت ذاهباً لتصوير أحداث مباراة في مدينة العين، استقبلني مشجعو أحد الفرق بسؤال عن طاقم صحيفة "البيان"، وجاوبتهم بتفاؤل أنني المصور الخاص بالصحيفة، فهاجمني الجميع، وبدأت الشتائم تتقاذف عليَّ ومن حولي، وذلك لانتقاد أحد كتاب قسم الرياضة آنذاك من صحيفة "البيان" لمن يقفون أمامي، وسامحه الله لم يكتب اسمه على مقالته تلك، فكاد ذلك يودي بحياتي، إذ ألح الجميع أن أعترف باسم الكاتب، فرفضت بالطبع حفاظاً على سلامته والتزاماً بمبادئ العمل الصحافي.

وبعد شد وجذب، قال لهم أحد المنظمين أني لست مسؤولا عن الأمر، وخفف ذلك من حدة انفعالهم الشديد، لكن ما إن خرجت من الملعب تفاجأت بسيارات تلاحقني بضراوة الحيوان المتوحش خلف فريسته، فقررت بعد دقائق من الهروب التوقف على قارعة الطريق لمواجهتهم، وبالفعل عاد الجميع أدراجه بعد جدال لكن لله الحمد انتهى من دون عراك.

مخاطرة من أجل اللقطة

حقيقة في هذا البلد هناك من يثمن الجهد، وأذكر حين رحب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بحرية الصحافة، وأمر سموه في مطلع تسعينات القرن الماضي بإقامة مسابقة تكريماً لنا نحن المصورين وتحفيزاً لتقديم الأفضل والمزيد.

وتزامن موعد المسابقة مع سباقات الخيل المقامة في منطقة ند الشبا في إمارة دبي، وقال سموه بأن هناك فائزا واحدا فقط. ولكن في ختام المسابقة أمر بمكافأة كل مصور صحافي وتكريمه.

من بين جميع المتنافسين، كنت أفكر بكيفية الظفر بالمركز الأول، حتى استقرت فكرة قد تكون صعبة وخطرة، وهي التقاط صورة للخيل الفائزة من زاوية قريبة، وكنت أعلم أن المشرفين على السباق سيرفضون طلبي لخطورته، فغافلتهم وذهبت إلى موقع التصوير أنتظر الخيل المتصدرة في مضمار السباق، وما أن اقتربت الفرس مني كانت اللحظة المطلوبة لكن وجهي امتلأ بالتراب.

وبالرغم من حمام التراب ذاك، إلا أن مخاطرتي تكللت بالمركز الأول، فحين شاهد سموه الصور المتنافسة، وقع بصره على الصورة التي التقطتها، وكنت الفائز الأول في أول مسابقة تقام للتصوير الفوتوغرافي. توليفة طعام

 

ساورتني مخاوف تجاه الطعام في الامارات، وما إذا كنت سأجد مذاقي المفضل فيها، لكن تلك المخاوف تلاشت بعد أيام قليلة من وصولنا، إذ وجدت المطاعم منتشرة في كل مكان، وأدركت أنها توليفة لمطاعم عالمية تزخر بها الإمارة بالرغم من تواضع الأسواق. فكنا نذهب أنا وطاقم العمل لتناول الغداء أو العشاء في الخارج، وفي رمضان أنظم وجبات الفطور مع موظفي قسم التصوير لتناولها في مطعم اسطنبول في شارع الضيافة، أو مطعم الطائرة في منطقة البراحة، ومرت الأعوام عقودا وما زلت في مجال هذا العمل.