أمضيت 49 عاماً في ربوع إمارة الشارقة, واختزنت خلالها ذكريات رائعة منذ وطئت قدمي أرض الدولة في صيف 1963 لأعمل معلماً في مدرسة حطين.

وبالرغم من بساطة العيش في ذلك الوقت، وقلة الامكانيات إلا إنني اعتبرتها مرحلة ذهبية حيث كان الطلبة ينكبون على العلم بنهم ينهلون من نبعه الذي لا ينضب أبدا, فقد كان المعلم يحظى بمكانة عظيمة في المجتمع، وله حظوة لدى كبار المسؤولين الذين كانوا يحرصون دوماً على الاطمئنان شخصياً على الهيئات التدريسية وتفقد النواقص والاحتياجات في المدارس.

تلاميذي المرموقون

واعتبر انتقالي من مدرسة حطين إلى مدرسة علي بن ابي طالب بالشارقة نقلة نوعية، حيث استقر بي المقام فيها لسنوات طويلة لأن فيها أعز تلاميذي من الطلبة الذين تخرجوا وتقلدوا مناصب مرموقة على مستوى الدولة.

فقد تتلمذ على يدي سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي عهد نائب حاكم الشارقة رئيس المجلس التنفيذي، وأخيه المرحوم هشام، والشيخ عبد الله آل ثاني رئيس دائرة الطيران المدني، ومعالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب.

طالما عادت إليَّ الأحداث وكأنها شريط فيلم سينمائي، فعندما جئت إلى الامارات كنت أفكر في العمل لمدة لا تزيد عن 4 سنوات، فوجدت نفسي غير قادر على مغادرة الأهل والأحباب والأصدقاء الذين وجدت فيهم وطناً ثانٍيا، ولم أشعر قط أنني غريب, لبقائي في الدولة قصة، وهي أنه عندما بدأت عملي وكيلاً لمدرسة الشعب في دبي عام 1964 وإذا بالشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم يأتي متأخراً عن موعد قرع الجرس ساعة كاملة فأعدته من فوري إلى البيت، وإذا بالشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي "رحمه الله" بنفسه يأتي إلى المدرسة، وقد يتصور أنه احتجاجا على قرار اتخذته بحق ابنه، ولكن الواقع أنه جاء ليسجل إعجابه بالموقف وردد على مسامع الموجودين كلمات لا تزال هي البوصلة التي أعمل من خلالها حيث قال: (لا فرق بين ابني وأي طالب في المدرسة، إنني أشد على أيديكم، وجئت معجباً بتصرفكم فللوقت قدسيته).

وجوه الطلبة لحظة الاعلان

كانت الحماسة بادية على وجوه الطلبة والعاملين والكل يترقب اللحظة التاريخية، لإعلان الاتحاد، ولا أنسى خروجنا من الفصول والتجمهر في الساحة عقب سماع قيام دولة الاتحاد عام 1971, هذه اللحظة جعلت دموعي تنهمر فرحاً ولم أجد وأنا أكتب الشعر ما يمكن أن يفي هذه اللحظة التاريخية والحدث الهام ليس على مستوى الدولة وإنما على مستوى الوطن العربي.. كيف يمكن التعبير أو الوصف وهي التجربة الوحدوية الناجحة عربياً والنموذج الفخر لكل عربي؟ أنا اليوم أسجل فخري وأبدي إعجابي من تواضع طلبتي الذين تقلد غالبيتهم- مناصب هامة وحقائب وزارية سياسية، من مبادراتهم إلى مصافحتي أينما وجدوني وفي أي مناسبة مبدين الاحترام التلميذ لمعلمه، والحرص والاطمئنان على صحتي إذا ما سمع أحدهم انني لست على ما يرام.

حدث معي

ذات مرة ذهبت إلى مكتب سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي عهد حاكم الشارقة، فنهض عن مقعده وجلس على الأريكة إلى جانبي، فقلت له أنت نائب الحاكم. فقال لي أنت استاذنا الذي علمنا الأدب العربي، ونظام مدرسة علي بن أبي طالب ما زال أمامنا, شعرت لحظتها بالفخر بأن تلاميذي يقدرون مكانة المعلم.

و قصة أخرى وانا في محطة وقود وكنت على عجالة من امري، فإذا بضابط يترجل من مركبته مطالبا العامل في المحطة بالتأني وعدم الاسراع في إملاء الخزان، فاستغربت فعله هذا فإذا به يتقدم ويعانقني بشدة قائلاً أستاذي العزيز كنت أحد تلاميذك.

زيارة الوزير الحاكم

غمرتني السعادة حين زارنا في مدرسة علي بن أبي طالب صاحب السمو حاكم الشارقة، وكان حينها وزيرا للتربية والتعليم، وكان بصحبة الشيخ خالد القاسمي حاكم الشارقة في ذلك الوقت، وألقيتُ الكلمة الترحيبية وقصيدة شعرية, وفي الزيارة التالية لسموه كان سموه قد أصبح حاكما للشارقة، في تلك الزيارة اطلع سموه على نظام الشرطة المدرسية الذي أسسته، وأدى لسموه التحية نائب القائد العام وهو أحد طلابي أيضا.

حين أسترجع الذاكرة في شارقتنا الحبيبة أتذكر زميلي معلم مادة العلوم الاجتماعية معالي خلفان الرومي الذي تولى أكثر من حقيبة وزارية.

 

 

مشرف تربوي في مدرسة المعرفة الخاصة بالشارقة ومسؤول العلاقات الخارجية والإعلام

 

خطبة الجمعة

 

كنت في مسجد وتأخر الإمام لظرف ما، فطلب إلي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله أن أتولى تقديم الخطبة وصلاة الجمعة، وبدأتها بالآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم " إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون" وقد لاقت الخطبة استحسان الجميع بمن فيهم المغفور له المرحوم الشيخ راشد حاكم دبي آنذاك.