الشهر الثاني في التقويم الميلادي يعتبر شتاءْ، وفي السابع عشر منه في العام 1979، حضرت إلى الإمارات قادماً من بلدي لبنان. حضرت وأنا أتوقع أني سأشاهد واقعا لبلد ليس مغايرا عما كنت أسمعه من أقاربي وأصدقائي الذين كانوا يقيمون في الدولة، ولكن هذه الفكرة تغيرت بمجرد وصولي إلى الدولة. فلقد حضرت بانطباع لمشهد من مساكن من خيام، حيث أن الكثير من الأخوة والأصدقاء الوافدين لم ينقلوا الانطباع الحقيقي عن الواقع المعيشي في الدولة، حيث لم يذكر لي أحد أن في دولة الإمارات بنايات.

لكنني بعد فترة وجيزة من حضوري إلى الدولة تسلمت العمل في دار صحف الوحدة كسكرتير تحرير مجلة الظفرة مع الشاعر طلال حيدر، وخلال أقل من ثلاثة أشهر تسلمت إدارة تحرير المجلة، بعد أن ترك حيدر العمل فيها لظروف سفره خارج الدولة.

من خلال موقعي الجديد تعاملت من كوكبة من الصحافيين مثل أحمد محسن، محمد عوده، ناهيك عن ذلك كان هناك عملي في عدد اسبوعي من جريدة الوحدة، وذلك من خلال الإشراف على عدد من الأبواب، مثل الثقافة والمجتمع والتربية، إضافة إلى كتابة العديد من الزوايا في جريدة الوحدة.

لا أنكر أبداً أنني عايشت العصر الذهبي للصحافة في الدولة مع عمالقة المجال مثل خالد محمد احمد، حبيب الصايغ، جمال أبو طالب، عادل الباقوري وغيرهم في المؤسسات الإعلامية الأخرى.

من تلك المعاصرة والمعايشة كإعلامي فقد دخلت في تفاصيل المنجز الحضاري الذي بدأ يتحقق في الدولة، حيث أخذت في التحول إلى قبلة للعديد من القادة السياسيين، وعلى إثر تلك الاستعدادات انتُدبت للعمل في وزارة الإعلام لمواكبة تغطية زيارة كبار الشخصيات إلى الإمارات، وأذكر منها.. زيارة اليزابيث ملكة بريطانيا عند زيارتها لدبي، وزيارة رئيسة الوزراء البريطانية تاتشر، وزيارة انديرا غاندي رئيسة وزراء الهند، وغيرهم من القادة العالميين في العديد من مناسبات زيارة الامارات.

برنامج تلفزيوني مباشر

ولا انسى تجربة العمل التلفزيوني، فقد أتاحت لي الظروف مجالا للعمل في تلفزيون أبوظبي من خلال برنامج يبث على الهواء مباشرة استضيف فيه كبار الشخصيات والوزراء لمناقشة المواضيع التي تهم الدولة، حيث أن تلك التجربة كانت تكريسا للتجربة الديمقراطية، وكانت تساهم في إزالة الحواجز بين المسؤولين والجمهور عامة، سواء مواطنين أو مقيمين.

إن دولة الامارات شهدت في الثمانينات والتسعينات حراكا فنيا متميزا، حيث تم استضافة العديد من الفنانين: منهم مثلا.. دريد لحام خلال عرضه لمسرحية "كاسك ياوطن"، المطربات ومنهن صباح وسميرة سعيدة وغيرهما، ومن كبار الفنانين العرب والأجانب.

كان الإعلام في تلك الفترة مختلفا وذا قيمة عالية، ويتاح له مواكبة كل الفعاليات، وذلك من خلال دعوة كبريات الشركات العالمية لحضور أنشطتهم، ودعوة السلك الدبلوماسي ممثلا بسفارات الدول، وتلبية دعواتهم لحضور مناسباتهم الوطنية.

جولات ومقارنات

وبحكم المهنة تم تكليفي اعلاميا بزيارة كل من دولة قطر، والعراق، وليبيا، ولبنان، وسوريا، والأردن، مما أتاح لي الاطلاع على مظاهر نهضة هذه البلدان، وكثيرا ما كنت أقارن بين مظاهر تلك النهضة، وما تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة في الفترة نفسها. كذلك قمت بزيارة العديد من المناطق البعيدة في الدولة، ومنها المنطقة الغربية مثل غياثي، وليوا، والسلع، وجزيرة السعديات.

وخلال ثلاثة عقود عايشتها من عمر الدولة، فإن ما تحقق فيها من منجزات يبلغ حد الإعجاز في تقديري، حيث لا تستطيع أي دولة ذات موارد اقتصادية هائلة أن تحقق هذا المنجز على صعيد عمراني وزراعي وصحي وتعليمي وعسكري وثقافي، ولكوني معني بموضوع الثقافة، فلم تُهمل الدولة أبدا الاهتمام ببناء الإنسان، وليس بالضرورة وفق المفهوم المهني المقتصر على الثقافة فقط، فالدول توفر كافة المناخات الصحية ولكل أنواع الثقافة، كالثقافة البيئية، وذوي الاحتياجات الخاصة، والثقافة المرورية، والاستهلاكية، وصولا بالثقافة الغذائية، من خلال مراقبة المحلات وجودة السلع ونوعياتها ومكوناتها.

إن الاعمال الخيرية التي تقوم بها دولة الإمارات على صعيد اقليمي وعربي واسلامي ودولي، يحتاج إلى وقفة إجلال وإكبار، وأعتقد أن الأفراد والشعوب التي استفادت من دولة الإمارات لم تقتصر على الوافدين إليها وحدثت تحولات حياتية لديهم، فالإمارات شكلت لهم محطة، ومُنطلقاً إلى العالم، كأوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا بهدف الاستقرار هناك.

شاهد على عهدين

سعادتي لا توصف لأنني عاصرت عهدي المؤسس زايد، رحمة الله عليه، وخلفه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، أمد الله في عمره، وعهد اخوانه أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات، حيث إن دولة الإمارات وفرت الاستقرار النفسي والأمن الوظيفي والاجتماعي لملايين المقيمين على أرضها، حيث إن الامارات تشكل بارقة أمل كانت ولا زالت مركز لقاء اقليمي على مستوى عربي لتطوير العمل العربي المشترك، من خلال نموذج حقق التوازن في التنمية في كافة إمارات الدولة، بالرغم من أن كل إمارة لها سمتها ونكهتها الخاصة. والمقيم على ارض الإمارات يمكنه تعزيز انتمائه للارتقاء بوفائه وولائه لقادة دولة الإمارات العربية المتحدة.

أبواب مفتوحة

 

ولي في رمضان الإمارات، وعبر السنين التي قضيتها في ربوعها، تركيز على تكريس جزء من المنظومة القيمية التي يحافظ عليها المجتمع مع تنامي عملية كرمه، وفتح أبواب بيوته العامرة لعابري السبيل، ويتجسد ذلك في الخيام الرمضانية المعدة للإفطار طوال الشهر، والمجالس الرمضانية لشخصيات المجتمع المعروفين ورجال الأعمال.