الوقت كان ظهراً عندما حطت بنا طائرة الخطوط الجوية السعودية على أرض مطار دبي في شهر يونيو من عام 1978، حيث قدمت بتأشيرة زيارة استخرجتها من سفارة الامارات بالخرطوم. لكن الرحلة لم تتجه إلى دبي مباشرة، وإنما إلى مطار جدة ثم إلى دبي.
أثناء الرحلة كنت أجلس على مقعد يجاور النافذة مما أتاح لي فرصة رؤية معالم المدينة من الجو، بدت دبي بلدة هادئة، وشوارعها خالية إلا من قليل من السيارات، ولعل أكثر ما لفت انتباهي هي المراكب الخشبية الضخمة الراسية في الخور، بينما أخرى كانت تتحرك وعلى متنها مجموعة من الناس، ومع اقتراب الطائرة من الأرض شاهدت العديد من البيوت وقد برز من سقفها هياكل مستطيلة، عرفت فيما بعد بأنها ( البراجيل ) والهدف منها تهوية البيوت وتلطيف الجو الحار في الصيف.
أولى المفاجآت
لم ألحظ ازدحاماً في صالة المسافرين في مطار دبي حينها، ولا حتى في مهابط الطائرات بل كان عدد الطائرات التي في ساحة المطار لا يزيد على الأربع، بعضها تابع للخطوط الجوية الكويتية وأخرى اللبنانية، ومن الطبيعي أن تكون الاجراءات سريعة ولا تستغرق وقتاً طويلاً، ففي غضون لحظات حملت حقيبتي وخرجت وعند الباب الرئيسي كان في انتظاري أولى المفاجآت، وهي درجة الحرارة العالية جدا ومع أنني جئت من بلد أفريقي لا تقل درجة الحرارة فيه عن 38 درجة، لكنها تخلو من الرطوبة، ويمكن التغلب عليها بمجرد الجلوس في ظل شجرة، ومهما يكن من أمر فإن حرارة الطقس المرتفعة يومذاك ما كانت لتمنع الشعور بفرح عارم لوجودي في دبي.
تشكيلة بشرية في الأجرة
أمام صالة المطار مباشرة كانت تصطف سيارات الأجرة في انتظار الركاب، ووجودها في ذلك المكان ساعدني كثيراً في تجنب الوقوف تحت وهج الشمس لفترة طويلة، إذ اتجهت فور خروجي من المطار صوبها، وساعدني شخص يبدو أن مهمته تنظيم استخدام ووجهات سيارات الأجرة.
كانت وجهتي إمارة رأس الخيمة، لأن فيها بعض الأصدقاء، وكعادتي دائما فقد فضلت الكرسي المجاور للسائق لاعتقادي أن ذلك من شأنه أن يتيح لي مشاهدة جيدة. انتظر السائق بعض الوقت لاستكمال العدد المخصص لسيارته وعندما اكتمل كانت تشكيلة بشرية تضم أشخاصا من جنسيات مختلفة.
انطلقت بنا السيارة عبر الشارع الذي يمر إلى جوار الملا بلازا واتجهت إلى وسط الشارقة مروراً بعجمان وأم القيوين، ولدى وصولنا إمارة رأس الخيمة، سلكنا طريقا واحدة انعطف بنا السائق يمينا من دوار الساعة الحالي مروراً بمنطقة خزام وفندق رأس الخيمة، ثم انعطف يساراً لينتهي بنا المسير في منطقة النخيل.
بين أجرتين
كانت النخيل عبارة عن مجموعة من المحال التجارية التي تتوزع على جانبي الشارع المسمى (عمان). في ذلك المكان المجاور للسينما ترجلنا جميعا من سيارة الأجرة، وبالنسبة لي استوقفت سيارة أخرى محلية، وسألت سائقها إن كان يعرف بيتاً يقيم فيه السودانيون (العزاب) فقال بصوت جاد: أركب. وعبر دروب أسفلتية متعرجة اتجه بي إلى منطقة ( المعمورة ) وتوقف أمام أحد البيوت ثم نزل بنفسه وطرق الباب، وانتظر لكن أحداً لم يفتح، فتحرك قاصداً بيتاً آخر، كان أحد السودانيين واقفاً أمام الباب فنادى عليه السائق باسمه، إذن هو يعرفه جيداً. قدم نحونا الرجل فترجلت من السيارة وتوجهت إليه، استقبلني بفرح بل ودفع الأجرة للسائق، ثم حمل حقيبتي بنفسه وأدخلني غرفته.
تكافل حقيقي
كان السودانيون وخاصة المقيمون في رأس الخيمة يستقبلون القادم الجديد من بلادهم بحفاوة، ويستضيفونه ويمنحوه مصروفاته النقدية لتمكينه من البحث عن عمل، وعندما يتحقق له ذلك يصبح شريكا معهم.
لقد مكثت شهراً كاملاً من دون عمل، إلى أن أُتيحت لي فرصة أن أكون مراسلاً للقسم الرياضي بجريدة (الاتحاد) وكان يرأسه توفيق الطهراوي، وهي المهنة التي مارستها قبل قدومي إلى الامارات.
كانت الرياضة في رأس الخيمة تعتمد بشكل أساسي على كرة القدم، مع وجود بسيط لباقي الأنشطة الرياضية وذلك من خلال خمسة أندية هي.. نادي (الوحدة) في منطقة المعيريض، و(عمان) في رأس الخيمة القديمة، و (النسر) في الجزيرة الحمراء، و (الرمس)، و (الطليعة) في شعم.
معضلة الارسال البدائية
كانت تشكل عملية إرسال المادة الصحفية معضلة عويصة بالنسبة لي، إذ أن جل اعتمادي كان على الهاتف الأرضي لأملي المادة صوتياً عبره، فيقوم شخص آخر في مقر الصحيفة بأبوظبي بتفريغها، وأما الأفلام المصاحبة للمادة فيتم إرسالها بواسطة سيارات الأجرة التي تنقلها من رأس الخيمة إلى دبي ثم إلى أبوظبي، ومقابل ذلك يتم التعامل معها كراكب وإن كان من دون شَغْل مقعد.في ضوء تلك المصاعب، لم يكن العمل الصحفي سهلاً، ففي أحايين كثيرة كانت المادة الصحفية قد تذهب هباء منثوراً بسبب خطأ في التسجيل، أو لكونها غير واضحة، وأحيانا تضل الأفلام طريقها حسب خبرة سائق الأجرة، فلا تصل إلى الجريدة. أنشطة
الأندية كانت توجد في أماكن متباعدة، ولذلك فقد عانيت المشقة في بداية الأمر من تغطية الأنشطة الرياضية، وزاد من صعوبتها عدم امتلاكي لسيارة أورخصة قيادة، لذلك كنت أعتمد بصورة أساسية على سيارات الأجرة وأحيانا أستعين بالأصدقاء، لكن مهمتي طالما صاحبتها المواقف التي لا أحسد، عليها خاصة حين يقام أكثر من نشاط رياضي في وقت واحد.
