في أواخر الثمانينات قررت أن ألم الشمل بعد أن غادرت زوجتي سوريا لتعمل مدرسة مع بعثة تعليمية سوف تغادر إلى الإمارات. كانت الطائرة تمخر عباب الفضاء تسبح مسرعة وهي تعزف نشيد السفر والترحال.. لم يكن وداع الأم سهلاً، كما لم يكن وداع الأهل والأصدقاء والوطن هيّناً، خاصة وأنني أسافر لأول مرة، وإلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي لم أتعرف إليها إلا بدرس من دروس الجغرافيا وبعض الأفلام التلفزيونية التي تتحدث عنها.
وها أنذا امتطي قلب طائرة لم تمهلني لكي أكحل عيني برؤية المشهد الأخير من وطني، لكوني كنت منشغلاً بأولاد كزغب القطا تجمعوا حولي لكي أجيب عن أسئلتهم: لماذا نسافر، وبعدكم من الساعات سنلتقي أمهم؟ وهل الإمارات جميلة مثل سوريا؟ وغير ذلك من أسئلة فطرية ألحت على أذهانهم بعدما وُدعوا بحرارة القبل من قبل أمي، رحمها الله، التي هطل دمع عينيها أمطاراً غزيرة.
تصوير: مجدي اسكندركنت أفكر بالمجهول وبالبيئة الجديدة، شكلها ونوعها.. إلخ، ثم أسرح بشكل البيت والحي الذي سأسكن فيه.. هل سأنجح في حياتي الجديدة كما كنت في وطني ناجحاً ومتفوقاً؟ هل سأجد الرعاية الإنسانية والصحية والتعليمية لأولادي والمدارس المناسبة لهم؟ هذه الأسئلة وغيرها كانت تقض مضجعي وتهذّ كياني وتجعلني أعيش في حيص بيص من أمري.
في لحظات كنت أتمنى أن أكون قائد الطائرة لكي أغير وجهتها فأعود إلى وطني.
لم الشمل
في مطار دبي استقبلتنا زوجي التي عانت ما عانت حتى لحظة وصولنا. كان استقبالاً ممزوجاً بالألم والفرح من دون أن ندري مقدار رغبتها في لم الشمل. وفي صباح اليوم التالي بدأت أتعرف إلى المشهد الحياتي، ولم تمض شهور قليلة حتى تأكدت بأنني في دار المغفور له بإذن الله زايد.. زايد الخير والجود والعطاء.. زايد الذي وعد ووفى وأعان فكفى، باني دولة الإمارات وصانع حضارتها.
في الإمارات ـ دار زايد ـ تعلم أولادي أفضل تعليم وفيها تعلمنا ـ جميعاً معنى الإنسانية ومعنى الوفاء ومعنى أن تعيش كريماً وبين أهل حقيقيين وأصدقاء حقيقيين، وأن تمارس إبداعك في الثقافة والإبداع والمسرح، تعلمنا معنى الصحافة، وكيف تكون إعلامياً مجوداً وصادقاً وفعاّلاً في آن واحد.
التأثير في المشهد
لم تمض شهور قليلة حتى بتنا لا نشعر بغربة، فقد نما لدينا جميعاً إحساس حبّ الوطن الثاني بسرعة البرق وغدا لزاماً عليَّ أن أكون مؤثراً وفاعلاً في المشهدين الإعلامي والإبداعي..
آمنت بذلك وامتشقت إصراري من أجل العطاء فألفت كتباً متعددة عن مسرح الإمارات وشعراء الإمارات، وغصت في التراث الإماراتي الذي يفيض أصالة وعراقة فكتبت عنه ورعيت تجارب إبداعية كثيرة.
ولم أكن بعيداً عن الصحافة عندما انخرطت في معمعانها عام 1993 في دولة الإمارات العربية المتحدة وطني الثاني، إلا أن الأمر غدا مختلفاً، فبينما كنت أعمل في وطني بالصحافة من الخارج، انخرطت فيها من الداخل، فساهمت في تأسيس أكثر من مجلة وترأست تحرير مجلة رأس الخيمة وبدأت أنشر بعض الدراسات والمقالات في صحافتها، وكانت جريدة "البيان" بملحقها الثقافي من أولى الجرائد التي فتحت صدرها مرحبة بي لقد أدركت من خلالها كيف تكون الكتابة للمتلقي الإماراتي خاصة، والعربي عامة بسبب تعدد الجنسيات، وأدركت أيضاً بأن التفوق في الصحافة يأتي من خلال أمرين: الأول مصداقية الإنجاز والثاني أسلوب الطرح باعتبار أن الأسلوب هو الرجل.
فضاءات الصحافة
لا ريب في أن الصحافة الإماراتية حرقت المسافات، وخطت خطوات جّد نوعية لتجاوز التقليدي، والمتكلس من أجل المواكبة، ومن أجل فضاءات أكثر إبداعاً وأكثر تألقاً.
ولا يمكن للمتابع أن تغيب عن ذهنه الملاحق الثقافية في "البيان" و"الاتحاد" و"الخليج" كما لا يمكن أن ينسى تلك المجلات الأسبوعية التي تمد القارئ بثقافة فنية نوعية، وتطلعه على ما يدور في العالم من أمور.
كما لا يمكن نيسان كتاب البيان الشهري. أما عن المجلات فقد تنافست زهرة الخليج مع كل الأسرة في تألقهما وعطاءاتهما، وأول مجلة نشرت فيها هي مجلة أوراق التي كان يصدرها الشاعر حبيب الصايغ ثم نشرت في مجلات ودوريات الإمارات ومن خلالها أيضاً تعرفت إلى مدى التطور الذي يواكب أفضل المجلات عربياً وعالمياً في الإمارات، وكانت مجلة المنتدى الأدبي هي النافذة الثانية التي نشرت فيها مقالاتي الأدبية.
إن رحلتي الإعلامية في الإمارات مفعمة بالعطاء، ومليئة بالعمل الجاد هذا من جانب، أما الجانب الآخر فقد وجدت مجتمع الإمارات مجتمع خير يحب إنسانية الإنسان ويعشق الحضارة ويهتم ببناء وطنه والحفاظ عليه آمناً مطمئناً.
وها هي الإمارات يوماً بعد يوم تثبت نمواً استثنائياً، وتطوراً ملحوظاً وتؤكد أنها تهتم بالإنسان أولاً وأخيراً، بالرغم مما وصلت إليه في الحضارة والسياحة والتعليم والتجارة والعمران.
عاصرت هؤلاء وغيرهم
في فترة وجودي في الإمارات عاصرت الكثير من الإعلاميين والأدباء ومنهم.. جمعة اللامي، محمد عبد الله، حبيب الصايغ، عبد الحميد أحمد، أنور الخطيب، عبد المنعم عواد يوسف، د. محمد رضوان الداية، د. يوسف عيدابي، حسيب كيالي، شهيرة أحمد، ناصر الظاهري، حارب الظاهري، عبد العزيز جاسم، جمعة الفيروز، أحمد راشد ثاني، أحمد عيسى العسم، نجيب الشامسي، عبد الله السبب، إبراهيم سعفان ومحمد نور الدين .. إلخ
وأذكر فيما أذكر أن شهيرة أحمد خصصت صفحة للأدباء الشباب أسبوعياً، وكتبت اّنذاك بعض المداخلات متحدثاً عن إبداعاتهم، كما أذكر كيف أننا غدونا ننتظر بعض الزوايا التي خصصت للسجالات الأدبية كي نقرأها ونعرف رأي فلان في موضوع ما.
