وصلت إلى دبي في الثامن من مايو عام 1987 قادماً من أبوظبي لمتابعة العمل في مكتب جريدة الفجر الكائن في شارع آل مكتوم، بالقرب من دوار الساعة.
اتصل أحد الزملاء من الشارقة يدعوني للعشاء، وطلب مني انتظاره في المكتب لأنه سيحضر ليقلني معه، ويوصلني إلى فندق علاء الدين. شكرته على مبادرته خاصة أنني لم أحصل على رخصة سواقة، ولا سيارة.
كنت أتوقع أن المسافة بين إمارتي دبي والشارقة بعيدة جدا. لكن الواقع كان غير ذلك. في المساء وبعد أن انتهيت من ارسال الأخبار إلى مكتب الصحيفة في أبوظبي وصل صديقي في الموعد المحدد، ركبت السيارة معه وبدأت الحديث عن العمل، وما هي إلا دقائق حتى قال لي نحن الآن في الشارقة. الفاصل بينهما هو هذا الشارع فقط.
وأضاف لا تعجب فإن الفاصل بين عجمان والشارقة رصيف واحد فقط.
وأضاف هل تعلم أن الشارقة لا يوجد فيها إشارة مرور واحدة؟
أجبته بصيغة سؤال وكيف تسير السيارات في التقاطعات؟
ابتسم وقال: سأريك الآن كيف يتم ذلك.
وبالفعل وصلنا إلى جسر في مدخل شارع الوحدة خفض صديقي سرعة سيارته وقال: من يريد الذهاب إلى شارع الوحدة يصعد فوق الجسر، وإلى المناطق الصناعية يذهب إلى اليمين، ومن يريد التوجه إلى شارع العروبة يذهب من تحت الجسر.
توجه صديقي نحو شارع العروبة لأن الفندق الذي أقيم فيه كان يحمل اسم علاء الدين ويقع أمام قصر الحاكم المطل على البحر.
طوال الطريق كان يروي لي قصصاً عن مشاكل الخادمات وكل حكاية تحتاج إلى كاتب سيناريو ليحولها إلى فيلم سينمائي أو يجمع الحكايات لتكون مسلسلاً يُعرض في شهر رمضان.
أشار لي صديقي بأننا نقترب من نفق في شارع العروبة لنتابع سيرنا، مؤكداً لي أنه لا توجد إشارة مرور واحدة في المدينة، والسير فيها منظم من دون توتر أو ضغط.
الآن وصلنا إلى الفندق، وكان مميزاً بمجسم مصباح علاء الدين السحري على سطح المبنى.
وضعت حقائبي في غرفتي، وعدت مع صديقي ولكن سيراً على الأقدام باتجاه شارع العروبة لتناول العشاء.
جامعة واحدة فقط
كنت سعيداً لأن عدداً من أصدقائي الرياضيين يعملون في الأندية الرياضية في الشارقة ودبي كمدربين لكرة الطائرة والسلة.
وسألت صديقي عن أحوالهم وطمأنني أنهم جميعاً بخير
وقال "هم يعيشون أحلى عيشة وهنا تتوفر كل وسائل الحياة الكريمة، أولادهم في المدارس الحكومية، والصحة المدرسية ترعاهم ويدرسون من دون تكاليف ورسوم. لكن المشكلة أنه لا توجد سوى جامعة واحدة في العين وهي حكومية".
استغربت كيف لا توجد سوى جامعة واحدة في دولة غنية!
قلت له انا لو كنت ميسوراً أو مستثمراً لأسرعت في بناء جامعة أو كلية تستوعب الخريجين من الثانوية العامة.
أجابني: معظم المقيمين يرسلون أبناءهم إلى دولهم لمتابعة الدراسة الجامعية.
وكم كنت فرحا لإطلاق أسماء عربية على الشوارع، وقلت له جميل أن أكون في شارع العروبة لتناول العشاء.
ضحك صديقي وقال: " لا تتفاجأ إذا لم تجد أحداً يتحدث العربية في شارع العروبة فأغلب المحلات يديرها أشخاص من الجنسيات الآسيوية وخاصة الهندية والباكستانية وهم يتحدثون لغات ولهجات عديدة لكن معظمهم يتحدثون بالأردو!"
ظننت أنه يمزح؛ لكنني فعلاً وجدت الأمر حقيقة حينما دخلنا المطعم.
طبق الهريس
كانت مفاجأة سارة لي حينما وصل عدد من أصدقائي إلى المطعم، تعانقنا وتبادلنا التحيات والأسئلة عن الأهل وباقي الأصدقاء، جلسنا حول طاولة، تمهيدا لطلب الطعام.
صاح أحد الأصدقاء وهو يرفع يده: تعال رفيق. نظرت إليه مستغرباً، وأنا أتساءل بصوت خافت: هل وصل الرفاق إلى هنا. وقلت لصديقي هل هؤلاء رفاق منضمون في أحزاب هنا؟
ضحكوا جميعا وقال أحدهم هذه كلمة سوف تسمعها هنا كثيراً لكن لا علاقة لها بالرفاق المقاومين.
تحدث صديقي مع النادل وسجل أنواع الأطباق للعشاء.
قال لي الآن ستأكل طعاماً شهياً ومميزاً والأهل في سوريا لا يطبخونه، وأنصحك بتناوله على الدوام.
لم يطل الوقت حتى بدأت الأطباق توضع أمامنا ورائحة الطعام فعلا شهية.
تذوقت طبق الهريس وكان رائعاً فعلاً وسألت عن مكوناته، فأجاب صديقي أنه يحتاج إلى شرح طويل عليك أن تتذوق الطبق الآخر إنه البرياني. كان عشاء مميزاً خاصة بلقاء الأصدقاء.
متفائل.. والله أعلم
سألني أحدهم كيف شاهدت العمل الصحافي هنا؟
أجبته بحماس يا ليت كل صحافي يأتي إلى هنا ليتعلم كيف يستخدم جهاز كمبيوتر ماكنتوش في العمل الصحافي.
وبدأت أشرح لهم كيف نظمت إدارة الصحيفة دورة لجميع الزملاء القادمين من مصر ولبنان والسودان واليمن وسوريا ليتقنوا استخدام الكمبيوتر في العمل الصحافي بدءا من صف الخبر أو المادة الإعلامية وانتهاء بإرسالها إلى المطبعة.
وكانت صحيفة الفجر أول صحيفة في الإمارات تدخل هذا الجهاز ضمن العمل اليومي.
أخرجت لهم من جيبي لوحة صغيرة سوداء وقلت لهم: هذا (فلوبي) جمعت عليه كل أخبار دبي والشارقة وعجمان، ومن خلال جهاز الماكنتوش أرسلت الأخبار إلى أبوظبي بالضغط على زر إرسال ووصل في الوقت نفسه وغداً ستكون الأخبار منشورة في الصحيفة.
قال أحدهم: كم عام نحتاج في بلدنا لتصل إلينا هذه التكنولوجيا؟
كان جوابي: أنا متفائل لكن الله أعلم.
