الدول كالبشر يمكن أن تحبها أو تجافيها من الانطباع الأول، وإلا لم يكتب لإقامتي في الإمارات أن تمتد على مدى 25 عاما، لو ما كانت الإمارات الجميلة وأهلها الطيبون كريمة في ضيافتها وأصيلة في عروبتها وجديرة بمحبتها.. وبهذا لم يكن غريبا أن أصبحت الإمارات وطني الثاني الذي لم أشعر فيها بالغربة أبداً.
في نهاية العام 1987 جئت زائراً من مصر العربية إلى الإمارات العربية لأول مرة حين وجدت نفسي في حاجة إلى إجازة من مشاغلي وهمومي العامة في مصر، على أن أعود بعدها أكثر حيوية، وكان تقديري أن الزيارة لن تزيد على عشرة أيام، لكن الأيام العشرة طالت بتقدير الله بأكثر مما قدرت، وتحولت الزيارة إلى إقامة عمل في مواقع إعلامية وصحفية وثقافية في أبوظبي ودبي والشارقة والعين، وامتدت لربع قرن كامل حافل بالمشاهد المضيئة.
انطباعات إيجابية
كان يملأ مخيلتي قبل الزيارة عن الإمارات المتحدة وشعبها انطباعات ايجابية تأكدت في الواقع عن هذه الدولة الواعدة بالخير والناهضة بالتقدم لاحتلال مكانتها العربية والدولية من خلال تجربتها الاتحادية الناجحة، والتي شكلت لوحدوي عربي مثلي أملا في عودة الروح لجسد الأمة العربية، في وقت توارى فيه الصوت الوحدوي عن الصورة بعدما واجهت كل محاولات التوحد الوحدة العربية الفشل ومؤامرات التفكيك، وهذا مشهد حملته ذهنيتي.
إشعاع ملهم
أما المشهد الثاني، فهو ما كانت تمثله الشخصية التاريخية للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، من إشعاع ملهم بأبعادها الإنسانية وبقيمها الإسلامية وبأصالتها العربية وبفكرها الوحدوي، على الشعب العربي عموما ولدى الشعب المصري خصوصا الذي ارتبط مع زايد بعلاقة خاصة لمواقفه التاريخية الخالدة مع مصر في حرب رمضان المجيدة وبمقولته الخالدة (النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي) ولأياديه البيضاء في إعادة البناء والتعمير في مصر بعد النصر.
وكان المشهد الثالث في مخيلتي قبيل هبوط الطائرة ليلاً على أرض الإمارات العزيزة بعد رحلة من القاهرة إلى أبو ظبي استغرقت ثلاث ساعات دارت خلالها أفكار كبيرة وصور كثيرة عن الدولة العربية الوحدوية الفتية، وتساءلت.. ترى كيف سأرى شكل الإمارات السبع في دولة الاتحاد على أرض الواقع بعد سبعة أعوام من عمر الاتحاد؟
مهرجان الإطلالة
وجاءت إطلالتي الأولى على مدينة أبوظبي في المشهد الرابع، حيث وجدت مهرجاناً حافلاً بالضوء المبهر وكأنها عروس تحتفل بالأفراح في ليالٍ ملاح. كانت أسرة شقيقتي التي سبقتني إلى الإمارات بعدة سنوات وعدد من الأصدقاء والزملاء الإعلاميين المصريين بانتظاري في المطار، فأشعرني ذلك أنني بين أهلي الحقيقيين، لكن شعوري بالسعادة كان أكبر حينما طال بي المقام في الإمارات، فتعزز شعوري أن من قابلت وعملت وتعاملت معهم من مواطنيها هم جميعا أهل لي، وأشقاء وأصدقاء.
وفي الطريق عبر شوارع المدينة الساهرة وخصوصاً على كورنيشها الجميل، كانت أقواس النصر المضيئة حاملة شعارات التهنئة بالاتحاد، وأشجار النخيل المضاءة بأعلام دولة الاتحاد ترفرف على جوانب الطريق، وكلها تشير إلى أن الإمارات العروس تحتفل بالفعل بعرس الاتحاد السابع.
في الذاكرة يتردد سؤال: لماذا كانت الإمارات وجهتي وموطني الثاني؟ وإجابة السؤال قصة تعود إلى سبتمبر عام 1961، حينما لازمني شعور بالإحباط والحزن بعدما وقع الانفصال بين سوريا ومصر، ولأن في الاتحاد قوة وفي التفرق ضعف، فقد أدى تفكيك (الكماشة) أو القبضة العربية لفتح الطريق (لإسرائيل) ومن وراءها لضربهما معا في يونيو عام، 1967فتحول الحزن إلى إدراك عميق بأنه لا قوة ولا تقدم ولا نصر ولا كرامة لهذه الأمة إلا بالوحدة والاتحاد.
وهكذا ضرب الانفصال وتفكيك (الوحدة المصرية السورية) أملا من أعز آمال جيلي الذي عاش في ظل مبادئ ثورة 23 يوليو، وهدفاً من أغلى أهداف النضال العربي في ظل الزعامة التاريخية لخالد الذكر جمال عبد الناصر، وصعود المد القومي العربي، وتحقق لأعداء الوحدة العربية ليس فقط غياب اسم الجمهورية العربية المتحدة، بل أيضا احتلال أراض عربية مثل سيناء المصرية والجولان السورية، والضفة الفلسطينية بما فيها القدس العربية.
ميلاد الإمارات
ومع إعلان ميلاد (الإمارات العربية المتحدة ) على يدي المغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي، وإخوانهما حكام الإمارات السبع في ديسمبر عام 1971، كنت حينها جنديا في جيش مصر الذي خاض حرب اكتوبر لتحقيق النصر، كنت جنديا يراوده أمل استعادة الأمة لهدف الوحدة في خليج العرب بميلاد الدولة (العربية المتحدة) بشيرا بعودة الروح الوحدوية إلى أرض كل العرب، وكان اتحاد الامارات بالفعل تاجاً لأمل الوحدة.
حكيم العرب
كان دور الإمارات بقيادة حكيم العرب لم يغب عن استمرار العطاء والمصالحة، حينما تلفت الجميع بحثا عن رجل رشيد وزعيم حكيم في الأمة العربية ليرأب الصدع ويحقق المصالحة بين الأشقاء، حينها أعلن عن وصول طائرة الشيخ زايد فجأة إلى مطار النزهة بالإسكندرية ليجمع بين الرئيسين الراحلين المتخاصمين المصري والليبي ويحل الوئام مكان الخصام بين الشقيقين حرصاً على عدم تفكيك الوحدة، وضماناً لعدم إهدار النصر.. لتبقى الإمارات في الوجدان المصري والعربي عزيزة وغالية.. ومازال شريط المشاهد لا ولم ينته بعد!
