قادماً من مدينة الياسمين دمشق، في رحلة لم يكن يتبادر إلى ذهني يوماً أن تستمر إلى الآن؛ وصلت دبي مع بداية عام 1981، وتحديداً في اليوم السادس من شهر يناير، حمَّلتني الشام شتاءها القارس، فخلعته أول ما وصلت، كانت دبي تعيش ربيعاً جميلاً آنذاك، تخليت عن معطفي الدمشقي، وتابعت سيري في مطارها الصغير والجميل، حيث كان بإمكان المستقبلين رؤية جميع القادمين بمجرد ولوجهم صالة الجوازات. هذه هي دبي.. كانت الابتسامة تعلو محياي، والأمل والنشاط يتجاذباني.. فمن هنا.. من دبي يبدأ العمل.. وتبدأ الرواية، ولاتنتهي.

جسر آل مكتوم

منذ لحظة الانطلاق خارج المطار، لم تهدأ عيناي عن تسجيل المكان وحفظ الصور.. كانتا تبحثان في كل شيء، وتغرقان في الأسئلة حول كل شيء. فجأة توقفت السيارة عند جسر ضيق بمسارين.حدثنا ابن عمي حينها بأن علينا الانتظار إلى أن يغلق الجسر، كان الوقت منتصف الليل، وهو موعد مرور السفن، حيث يفتح الجسر إيذاناً لها بالمرور، هو جسر آل مكتوم، الذي ما إن عبرناه حتى عادت عيناي ترمقان كل ما يبدو أمامهما.. محلات الفجر التجارية كان على الجهة اليسرى من شارع زعبيل، وباتجاه منطقة الكرامة متجر عش الصقر.. حيث يقطن أقربائي. أبنية جديدة متباعدة، وطرق معبدة، مساحات خالية غير مرصوفة.. هكذا بدت لي "الكرامة"..

نفق الشندغة

وفي اليوم التالي اصطحبني أحد أصدقائي في جولة داخل دانة الدنيا.. عبرت نفق الشندغة، إلى منطقة الحمرية فهناك سوق الخضار والمواد الغذائية على شاطىء البحر قبالة مستشفى دبي حاليا وبعده مباشرة يأتي ميناء الحمرية ويليه سوق المواشي والذي تم ترحيله فيما بعد الى منطقة القصيص ولا أنسى سوق السمك واللحوم بمنطقة الراس مكان مواقف السيارات والباصات حاليا قبالة سوق الذهب ، وكان الغداء في مطعم الدوار في فندق حياة ريجينسي، حيث استمتعنا بتناول الأسماك، ثم ذهبنا إلى مسبح حديقة مشرف، وكان يعد آنذاك بعيداً عن قلب دبي.

ومن المراكز التجارية آنذاك مركز الغرير بديرة الذي افتتح عام 1979 وفي منطقة نايف كان هناك مايعرف بسوق «الصنادق»، وهي سوق شعبي كان ينار بالفنرات والتريك، وعند دوار الساعة، منطقة بور سعيد، تقبع المدرسة الثانوية الصناعية والتجارية، وورش إصلاح السيارات. ومن دوار الساعة شرقا نتجه لنصل الى مطار دبي. وأما الطريق للشارقة فكان من الملا بلازا حتى جسر الخان خال من العمران يمينا ويسار وكانت منطقة النهدة عبارة عن سبخات مالحة حتى جسر الخان.

كنت أذهب إلى شاطئ البحر صباحاً، وأستمتع بزرقة لونه ودفىء وصفاء مائه. وفي المكان الذي تعلوه الآن مدينة المعرفة كنا نرصد الكثير من الأرانب البرية، فنطاردها بسياراتنا ليلاً، وفي عام 1985 أقامت الشركة الوليدة "طيران الإمارات" احتفالاً ضخماً على شاطئ البحر، حضره حشد غفير لمشاهدة العروض الفنية المبهرة. أذكر أن طريق العين كان ضيقاً ذا مسارين وغير مضاء، وخطراً ، تكثر فيه الحوادث المروعة، وكانت الحيوانات السائبة ظاهرة تؤرق مرتادي الطريق مما حدا بحكومة دبي فيما بعد الى وضع سياجا من الأسلاك حماية للأرواح الناس .

الفقع

كنا ننطلق من أم سقيم باتجاه شارع الخيل حالياً إلى طريق العين، وهناك عند منتجع باب شمس حالياً، كنا نقضي الساعات الطوال بحثاً عن "الوسمة"وهي عشبة ، تدل على وجود "الفقع"، الذي يتوفر بكميات كبيرة في تلك المنطقة، وبعد نهار طويل، نعود أدراجنا فرحين بغنائمنا. وحدث في إحدى المرات، بعد وصولنا إلى حدود مكان الفقع، أن وجدنا امرأة عربية تعطلت سيارتها النيسان، وكانت عجلة مركبتها مثقوبة ولاتملك أخرى بديلة "إسبير"، فعملنا على مساعدتها واستبدلنا تلك العجلة بأخرى صالحة من سيارتنا، كان يوماً رمضانياً شاقاً، ولم ننته إلا وقد اقترب العصر على نهايته، فدعتنا إلى الإفطار، وماكان إلا أن لبينا، فقد دنا المغرب ولا أمل بالعودة قبل ذلك.

وما ان وصلنا سيح السلم حتى دخل موعد أذان المغرب، وحين اقتربنا من الليسلي منزل السيدة العربية الفلاسية ، كان بانتظارنا أبناؤها، الذين هبوا إلينا فرحين مستقبلين، وعوضنا الله عن ذلك اليوم بإفطار شهي، فيه مالذ وطاب من أنواع الطعام الشامي والإماراتي كبرياني اللحم، والهريس، والمجبوس بالفقع، وكانت المفاجأة، عندما هممنا بالمغادرة مستأذنين، أن قامت تلك المرأة الأصيلة المضيافة، وأهدت كلاً منا صندوقاً مليئاً بـ"الفقع"، ولسان حالها يقول "ما ضاع تعبكم سدى"، فشكرناها على ضيافتها وكرمها.. وعدنا أدراجنا بعد يوم مثير.

دينامية مثيرة

يحلو لي كثيراً أن أقارن ما كانت عليه دبي في تلك الأيام.. وما أصبحت عليه اليوم، فهذه المدينة، بما عهدتها عليه من دينامية مثيرة، وعشق للتطور والنمو والمنافسة، لا يستطيع المرء أن يقف أمامها إلا مذهولاً ومزهواً بتجربتها الرائدة والفريدة، والتي وضعتها بعيداً عن حدود المنافسة؛ تقف خلف ذلك قيادة حكيمة استثمرت في إنسان دبي قبل ثرواتها، فكان لها ما أرادت.

أعلى برج

برج الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم كان البناء الأشهر في دبي وبمنطقة الشرق الأوسط أنذاك من هنا كان يبدأ الطريق بمسارين لكل جانب وصولا إلى مدينة أبوظبي.. الذي يطلق عليه شارع الشيخ زايد حاليا، وعلى دوار الدفاع انشغل العمال في رفع بناء لوتاه، أما منطقة برج خليفة، فكانت مقراً للمنطقة العسكرية الوسطى.