في الرابع من فبراير عام 1980، أقلعت طائرة العبد لله من مطار دمشق الساعة الرابعة صباحاً متجهة إلى دبي، وهي المرة الأولى في حياتي التي أعتلي فيها هذا الكائن المعدني، والذي يحلق في السماء من دون أي صلة بالأرض. كنت وحيداً تائهاً لا أعرف أين أجلس ومع من أتكلم وأسأل. وقد تركت دمشق المدينة التي أحببتها، وأمضيت فيها أيام دراستي الجميلة المملوءة بالنجاحات والعمل مذ كنت طالباً في كلية الفنون الجميلة.

شروط ورفض

تخرجت في الكلية ضمن الخمسة الأوائل، فقدمت أوراقي لأكون معيداً في الكلية، وذلك تهرباً من الخدمة العسكرية غير محددة المدة في ذلك الوقت، علما أنني كنت أعمل وأجني دخلا جيدا. بعد شهر تقريباً ذهبت إلى التعليم العالي لأسأل عن نتيجة التقديم (للمعيدية)، صدمني الرد: للأسف لم تقبل! لقد توفرت لدي شروط القبول.. من حيث السن المناسبة، والمؤهل الدراسي الجامعي، والمعدل التقديري الممتاز، فكان المبرر.. لأنك غير منتسب للحزب.

في الطائرة وحيداً لا أعرف شيء عن دبي، إلا من خلال المسلسلات التي كانت تنتجها وتعرض في المحطات العربية، حتى كنت أمام مطار دبي حيث تشير الساعة إلى الحادية عشرة صباحاً وأنا أبحث عمن وعدوني بأن ينتظروني في المطار. مرت ساعة كاملة ولم ألتق بأحد. أخذت سيارة اجرة واتجهت إلى وسط الشارقة لأنني لا أعرف عنوان العمل الذي اتفقت عليه في دمشق وهو أن أكون مديراً فنياً لمجلة تدعى (أخبار الخليج) لصاحبها رجل الأعمال علي المرزوقي.

أنزلني سائق الأجرة الباكستاني في شارع العروبة أمام مطعم العثمان، وقفت على الرصيف وحقيبتي بقربي أرتدي بدلتي الشتوية ورائحة البحر قد ملأت أنفي، والحر قد بلل جسدي بالعرق. تذكرت بأني أملك رقم هاتف رئيس التحرير، اتصلت به من المطعم، ولم يكن موجوداً لكن الموظف الذي رد على اتصالي.. وجهني أن آخذ سيارة أجرة إلى مطعم (أمية) بشارع الوحدة، معتذرا لي عن عدم توفر سيارة لإحضاري، طلبت من السائق بأن يسير ببطء لأعثر على اسم المطعم. وبالفعل شاهدته ونزلت، وجدت شباب سوريون بسطاء استقبلوني بكل ترحيب حتى حضر السيد رئيس التحرير..

أعطوني شقة في نهاية شارع الوحدة في الدور الثاني ومكاتب المجلة تقع في الدور الرابع.

تعارف وتآلف

وبدأت التعرف على مدينة الشارقة، فشاهدت البحيرة التي لم تكتمل بعد، وهي اليوم معلم حيوي عملاق، وشاهدت السوق المركزي وكان حديث البناء كذلك ولم يكتمل تأجير أكثر محلاته بعد، بينما هو اليوم من أبرز المعالم من حيث طراز المعمار الاسلامي. على طرف البحيرة شاهدت بعض النوادي العربية، منها النادي السوري والسوداني والمصري.

معظم الذين يأتون إلى الإمارات لا بد أن يكون لهم قريب أو أخ أو عم قد سبقهم، إلا أنا كنت وحيداً لم يسبقن أي من أسرتي ومعارفي.

استقبال عاصف

اعتدت بعد نهاية عملي اليومي الخروج من مكتبي إلى نهاية شارع الوحدة باتجاه المطعم لألتقي بالشباب الذين تعرفت إليهم.

وذات يوم من تلك الأيام المعتادة في المشي.. احمرت الدنيا فجأة، وأصبحت سرعة الرياح كبيرة جداً يمكنها قذف إنسان في الشارع. حيث تحول النهار إلى ليل أحمر وهبت عاصفة لم أر مثلها في حياتي كلها، تطايرت الأشياء في الجو.. ألواح الصفيح، لواقط التلفزيون القديمة او الهوائيات، وقعت حوادث تصادم كثيرة بين السيارات، وانقلبت اخرى بفعل الرياح، وتحطمت واجهات الزجاج. احتميت وبعض الشباب داخل المطعم بالقرب من عامود كبير.

قلت في نفسي لا بد أن تكون القيامة اليوم. لم أستطع فعل شيء سوى التشهد والدعاء لله من أجل السلامة أو استعداداً للقائه. استمرت العاصفة لأكثر من ساعتين، وبعد خروجنا من جحورنا ننظر إلى ما حدث، شاهدت خزان إحدى شاحنات نقل الوقود من البترول وقد انفصل عن ظهر الشاحنة، وأخذ يتدحرج في نصف شارع الوحدة، ثم ارتطم بسيارة واقفة وحطمها. في الطرف الآخر من الشارع شاهدت ثلاث (كرينات) أو نقالات بناء قد سقطت من البنايات التي تبنى حديثاً، ووقعت على شارع الوحدة فوق السيارات لتقسمها إلى نصفين. كان منظراً هائلاً ومرعباً . لم يُبق لوحة لمحلات الأزياء المنتشرة في الشارع الشهير بالعلامات التجارية، فقد طيرت معظمها العاصفة.

في الثالثة صباحاً من الليلة نفسها، كنت نائما بعد المشهد النهاري العاصف فاستيقظت على عاصفة أشد. هربت من غرفة النوم لأن نافذتها كبيرة فخشيت أن تتحطم ويقتلني الزجاج، كان يقيم في الغرفة الأخرى من الشقة صديقي، الذي فزع هو الآخر وعلى عجل ارتدينا ملابسنا ووقفنا في ممر صغير في الشقة، ونحن نسمع السماء وهي ترعد وتزبد، وتحطم الريح المجنونة كل شيء بهوائها العاصف، وبكتل البرد بحجم كرة الغولف. نسيت وتأقلمت

 

كانت أيام لا تنسى، من الرعب والأهوال، والعجب من هذا الاستقبال المرعب والنادر. ولكن.. مرت الأيام وزاد تأقلمي بالبلد، ونسيت كل شيء فأحببت شاطئ البحر المميز الجميل والنظيف، وأغرمت بالسباحة في بحر الشارقة.