نيف وأربعون عاماً قضيتها في بلاط صاحبة الجلالة، حتى اليوم، منها نحو 37 عاماً في صحافة الإمارات، وتحديداً.. إعلام دبي. ولعل في ذلك سراً كبيراً، لا يتعلق بي أو بغيري، من أكثر من سبعة ملايين وافد عربي وأجنبي، جاؤوا من بقاع المعمورة كافة، يعيشون بين ظهراني مليون مواطن إماراتي، بل يعود إلى جاذبية خاصة تتمتع بها هذه الدولة الناشئة، تكمن في رمالها وشواطئها، وأسواقها، وأناسها، وقبل كل شيء قوانينها التي لا تميز بين أسود وأبيض، ولا بين عربي وأجنبي، إلا بمقدار التزامهم بقواعد قوانين البلاد وعاداتها وتقاليدها.

وكما أن لهذه البلاد سحرها وجاذبيتها، رغم قيظها الشديد الذي نعاني منه هذه الأيام المباركة، ونحن نصوم شهر رمضان المعظم، فإن لبلاط صاحبة الجلالة فيها ميزة وجاذبية وتأثيراً، مبعثه هامش كبير من الحرية ندر وجوده في كثير من الدول العربية والأجنبية.

مقالة دبوي

في البدايات الأولى لصدور صحيفة «البيان» كنت أكتب زاوية بعنوان «دبوي»، تعرضت في مقالات عدة منها إلى خطر العمالة الآسيوية على المجتمع، من حيث نقل مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية إلى دول الخليج العربي بصورة عامة، ودولة الإمارات بخاصة، ولم أكد أنتهي من سلسلة مقالاتي، حتى جاءني اتصال من مدير تشريفات ديوان سمو الحاكم، آنذاك، حميد بن دري، ناقشني مطولاً عما ورد في المقالات، وقال إننا نقدر شعورك وغيرتك على المجتمع، عاداته وتقاليده، لكننا في دبي لا نفرق بين آسيوي وعربي من حيث المعاملة، والجميع سواسية أمام القانون. والعمالة التي تكتب عنها تساعدنا في البناء والتشييد، والقانون هو الفيصل بين من هو ملتزم به أو مخالف له، لذا نفضل عدم الاستمرار في هذه المقالات عن العمالة الآسيوية وخطرها «الوهمي».

شرف المهنة

في تموز «يوليو» عام 1986 كنت ضمن الوفد الإعلامي المرافق لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إلى مؤتمر وزراء الدفاع لدول مجلس التعاون الخليجي في قاعدة خميس مشيط في المملكة العربية السعودية، وبعد انتهاء جلسات المؤتمر، دعا سمو الأمير خالد الفيصل رؤساء الوفود والأعضاء إلى مأدبة عشاء في قصره بمنطقة السودا في أبها.

وخلال العشاء همس أحد المسؤولين السعوديين المقربين من سمو الأمير في أذني أن الأمير خالد يتمتع بموهبة الرسم، ولديه مرسم خاص به عالي المستوى.

هذا إلى جانب كونه شاعراً مفوهاً، بل يُعتبر أحد أعمدة الشعر في المملكة. قررت أن أستغل هذه المعلومة، لإجراء حوار مع سموه، والدخول إلى مرسمه، خاصة وأن هذه الموهبة، نادراً ما نجدها في أمير أو وزير أو مسؤول، فكيف إذا كان هذا الأمير سعودياً. إنه لعمري سبق صحافي تتناقله وكالات الأنباء.

خلال فترة شرب الشاي والقهوة، تقدمت إلى مدير مكتبه، وطلبت منه تحديد موعد مع الأمير لإجراء حوار مع سموه حول المؤتمر ونتائجه، ومشروعات التطوير في إمارة أبها، ومن خلال ذلك، أدخل إلى عالمه الخاص في مجال الشعر والرسم، وهو بيت القصيد، هكذا قلت في نفسي.

فاتت عليّ

أعطاني موعداً بعد سفر الوفود، فاضطررت للبقاء، مفوتاً عليَّ فرصة العودة مع الوفد الإعلامي المرافق لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، والحوار الذي أجراه سموه مع الإعلاميين حول نتائج المؤتمر.

وفي الموعد المحدد كان الحوار مع سمو الأمير في قصره بالسودا، وقد نشر على أكثر من حلقة في «البيان» آنذاك.

كان هدفي الأساس الوصول إلى مرسمه الخاص، فبعد أن تحدثنا عن نتائج مؤتمر وزراء الدفاع الخليجيين، تطرقنا إلى مشروعات إمارة أبها الإنمائية والسياحية، وعرجنا إلى عالم القصائد والشعر، وجاءت اللحظة الحاسمة فسألته: سمو الأمير.. علمت أنك تمتلك موهبة الرسم، وأن لديك مرسماً متميزا، فهلاّ تحدثني عن هذه الموهبة، متى بدأت معك، وكيف نميتها، وهلا تأذن لي بدخول مرسمك الخاص الملحق في القصر؟

فاندهش الرجل، ونظر إلي متسائلاً.. من أين استقيت هذه المعلومات؟ إنك تخاطب صحافياً، أجبته.

حسنا.. قال. وراح يحدثني عن موهبة الرسم لديه، وعن حبه لرسم المناظر الطبيعية الخلابة، وما أكثرها في منطقة عسير.. الخ.

هل لي برؤية بعض هذه اللوحات في مرسمك، سألته.

أجاب.. باستطاعتي اطلاعك على بعض اللوحات، لكن المرسم غير جاهز حالياً.

لكن أريد أن أسألك، من الذي سرب لك هذه المعلومة عن المرسم؟

إن قلت لي عن اسمه فسأرتب لك موعداً آخر لدخول المرسم بعد أن يكتمل.

وابتسم.. وابتسمت معه.